إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية: صعود وتراجع الهيمنة الأمريكية

إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية: صعود وتراجع الهيمنة الأمريكية

كيف شكلت عوامل القوة والهيمنة العالميّة الامريكيّة نقاط ضعف ومرتكزات جديدة يمكن توظيفها ضد تلك القوة وتحدي الهيمنة الامريكية من خلالها

مشاهدة واحدة
18 دقائق من القراءة
إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية: صعود وتراجع الهيمنة الأمريكية

إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية: صعود وتراجع الهيمنة الأمريكية

( نشر هدا المقال في مجلة Foreign Affairs بعنوان : Iran and the New Rules of Global Power للكاتب Robert A. Pape وهذ الترجمة © الكاملة له)

في ليلة السابع عشر من يناير عام 1991، شهد مشاهدو التلفاز في جميع أنحاء العالم حدثاً غير مسبوق. فعلى خلفية سماء مدلهمة أضاءتها نيران المضادات الأرضية، دكت القنابل الأمريكية الموجهة بدقة نوافذ وممرات تهوية ومخابئ قيادة في بغداد. وقد نُقلت أحداث حرب الخليج في بث حي عبر شبكة “سي إن إن” (CNN)، لتبدو تلك المشاهد، في نظر الملايين من البشر، إيذاناً ببدء حقبة جديدة.

ولفهم الأهمية البالغة لتلك المشاهد، يجدر استذكار حجم التهديد الذي كان يمثله العراق قبل اندلاع الحرب؛ إذ كان الرئيس العراقي صدام حسين يقود جيشاً قوامه قرابة مليون جندي، وهو جيش صمد لثماني سنوات في حرب ضروس مع إيران، وامتلك واحدة من أكبر القوات المدرعة في العالم. وقد أثار غزو العراق للكويت مخاوف من احتمال توجيه صدام لقواته نحو المملكة العربية السعودية، مما كان سيجعل من بلاده قوة مهيمنة على الموارد النفطية في الخليج العربي، واضعاً بذلك ربع الإمدادات النفطية العالمية تحت سيطرته المباشرة.

ولم تكن التوقعات الأمريكية تشير إلى انتصار يسير، حيث كان شبح الفشل في حرب فيتنام لا يزال يخيم على المشهد. وقبل أسبوع من غزو جارته، صرح صدام للسفير الأمريكي في الكويت قائلاً: “إن مجتمعكم غير قادر على تحمل فقدان 10000 قتيل”. وقد ساور العديد من المحللين القلق من صحة هذا الادعاء، مما أدى إلى موافقة مجلس الشيوخ على استخدام القوة العسكرية بأغلبية ضئيلة. وبناءً على ذلك، استعدت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لخسائر فادحة، حيث أُرسلت آلاف الأكياس المخصصة لحفظ الجثث إلى المنطقة، ولم يكن المتوقع نشوب حرب عالمية ثانية، بل نسخة أخرى من حرب فيتنام.

ومن الجدير بالذكر أن ما تلا ذلك قد أحدث صدمة واسعة النطاق؛ فبعد خمسة أسابيع من الغارات الجوية، تمكنت القوات البرية للتحالف من تحرير الكويت في غضون 100 ساعة تقريباً، وانهار الجيش العراقي بالكامل. وقد أسفرت العمليات عن هزيمة، أو أسر، أو فرار أكثر من 300,000 جندي عراقي في الكويت، في حين بلغ إجمالي الخسائر البشرية الأمريكية في المعارك 147 قتيلاً، وهو رقم منخفض بصورة مذهلة مقارنة بالمخاوف التي سبقت الحرب. وبذلك، هُزمت دولة رئيسية، بدت هائلة القوة قبل بضعة أشهر فقط، بسهولة بالغة.

لقد امتدت دلالات الانتصار الأمريكي إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، مما يؤكد على المكانة الاستثنائية التي تبوأتها الولايات المتحدة. فمع تفكك الاتحاد السوفيتي، لم تواجه واشنطن أي خصم رئيسي، بل تربعت على قمة شبكات التمويل والتكنولوجيا والتحالفات العالمية، متباهية بقدرات عسكرية متقدمة لا تضاهيها أي قوة أخرى. وبذلك، أصبحت الولايات المتحدة حالة استثنائية في التاريخ الحديث: دولة متفردة بلا منافس مكافئ. وقد حوّلت عملية “عاصفة الصحراء” المقاييس المجردة للقوة الأمريكية إلى واقع ملموس، لتتولد لدى الحكومات والمستثمرين والمواطنين العاديين في جميع أنحاء العالم صورة مشتركة لما تعنيه الهيمنة العسكرية الأمريكية من الناحية العملية.

وعادة ما تتوارى معظم الحروب في طيات التاريخ، غير أن قلة منها تقسم التاريخ إلى ما قبل وما بعد. وبالنسبة لعالم ما بعد الحرب الباردة، مثلت حرب الخليج إحدى تلك اللحظات الفاصلة؛ حيث أسفر الصراع عن تحرير الكويت، ومن ثم دشن الحقبة التي تلته، والتي يُشار إليها عادة بعصر القطبية الأحادية الأمريكية، حيث أرست القوة العسكرية الأمريكية التي لا تضاهى دعائم العولمة، والازدهار المتنامي، والاستقرار النسبي.

غير أنه يمكن القول إن تلك الحقبة قد وصلت إلى نهايتها؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بذات التفوق العسكري الذي حازته في عام 1991. وبفضل العولمة، لم تعد النظم اللازمة لإدارة حروب الأسلحة الدقيقة حكراً على حفنة من القوى العظمى، بل أصبحت متاحة لمجموعة متنوعة من الفاعلين القادرين حالياً على التصدي لدول تفوقهم قوة بكثير.

وتُعد الحرب الإيرانية تجسيداً لهذا التحول الجذري؛ فبينما برهنت حرب الخليج على الهيمنة الأمريكية، تكشف الاشتباكات الحالية حول مضيق هرمز عن حدود القدرة الأمريكية. نحن إذن بصدد حقبة جديدة تُقلب فيها افتراضات حقبة ما بعد الحرب الباردة رأساً على عقب، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إخضاع الآخرين لإرادتها عبر استخدام القوة بتكلفة زهيدة. وبعيداً عن كونها ضامناً للاستقرار وقابلية التنبؤ، استحالت القوة الأمريكية إلى مصدر للتقلبات. إذ أدركت القوى الأقل شأناً مزايا التحدي والتعطيل، وباتت تمتلك الأدوات اللازمة لتكبيد الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها خسائر فادحة. وستتسم الحقبة القادمة بتواتر الأزمات، وارتفاع تكاليف حماية التجارة العالمية، واحتدام التنافس على نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم. لقد تلاشت قواعد القوة التي حكمت حقبة ما بعد الحرب الباردة، ليحل محلها نظام دولي محفوف بالمخاطر.

توقعات كبرى

نادرًا ما تُفضي الانتصارات العسكرية الكبرى إلى خلق نظم دولية جديدة؛ فغالباً ما تنتهي الحروب بتعديلات حدودية، إلا أنها تميل إلى الإبقاء على البنية الكلية للسياسة العالمية دون تغيير. بيد أن حرب الخليج عام 1991 كانت استثناءً، لأنها أعادت تشكيل توقعات العالم. فالتباين الشاسع بين تنبؤات المحللين قبل الحرب والانتصار الحاسم والسريع الذي حققته الولايات المتحدة، أقنع الحكومات والأسواق والمجتمعات بظهور واقع جديد.

وقد ارتكز هذا الواقع على أربعة افتراضات: إمكانية فرض الولايات المتحدة لنتائج عسكرية دون عناء؛ وامتلاك واشنطن لهيمنة تصعيدية لا تضاهى تمكنها من إحباط التهديدات الكبرى بسرعة وبتكلفة منخفضة؛ وضمان القوة الأمريكية لتدفق السلع عبر الشرايين التجارية العالمية؛ وأخيراً، عدم جدوى مقاومة القوة الأمريكية.

وقد عززت هذه الافتراضات بعضها البعض؛ فبفعل التفوق العسكري الأمريكي الكاسح، قلص الحلفاء من أعبائهم الدفاعية وعمقوا اعتمادهم على واشنطن. ولأن القوة الأمريكية ثبّطت من عزم الفاعلين الآخرين المخاطرة بالمواجهة والتصعيد، استبعد المستثمرون المخاطر الجيوسياسية من حساباتهم. ولما بدا أن التجارة البحرية آمنة، وسّعت الشركات سلاسل التوريد عبر القارات وقلصت مخزوناتها المحلية. ونظراً لظهور القوة الأمريكية كقوة قاهرة لا منازع لها، سعت معظم الدول إلى التكيف مع الولايات المتحدة بدلاً من مقاومتها.

لم يرتكز نظام ما بعد الحرب الباردة على قدرة واشنطن القسرية بقدر ارتكازه على قوة مصداقيتها؛ فلم تكن الدول بحاجة إلى اختبار القوة العسكرية الأمريكية بصورة مباشرة، بل كان يكفيها الإيمان بوجودها. لقد هزمت الولايات المتحدة العراق بسرعة وبأقل تكلفة، مما جعل أي مقاومة مستقبلية تبدو عملاً غير عقلاني. ولم يجرؤ على تجاهل هذا الواقع الجلي سوى قلة من “الدول المارقة” والفاعلين، مثل كوريا الشمالية، وإيران، والقراصنة الصوماليين. وفي عام 1990، أطلقت القوات الجوية الأمريكية – بتطلّع – على عقيدتها الجديدة اسم “قوة عالمية، ونفوذ عالمي” ” Global Power, Global Reach. “، وهو ما حولته حرب الخليج عام 1991 إلى واقع يصعب تجاهله.

لقد أسفر المظهر الذي لا يُقهر للقوة الأمريكية، والذي أعلنته حرب الخليج، عن تداعيات فورية في أوروبا. فخلال الحرب الباردة، احتفظت حكومات أوروبا الغربية بجيوش جرارة لمواجهة الخطر السوفيتي. ولكن بعد عام 1991، خفضت الدول الأوروبية ميزانياتها الدفاعية بشكل كبير وتوجهت نحو إدماج اقتصاداتها، فتم توقيع ” معاهدة ماستريخت” عام 1992، والتي أرست الأساس لعملة موحدة وإزالة الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتسابقَت الدول الشيوعية السابقة للانضمام إلى المؤسسات الغربية. وتوسع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي كان يضم 16 عضواً في عام 1991، شرقاً، ليضم في نهاية المطاف مساحات شاسعة من الأراضي التي انتمت سابقاً لحلف وارسو. والدول التي كانت تخشى الناتو قبل سنوات قليلة، باتت تبحث عن الحماية ضمن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. وبحلول نهاية العقد، لم يعد التفوق الأمريكي مجرد موضوع للنقاش، بل حقيقة واقعة.

حتى الخصوم المستقبليين لواشنطن استوعبوا دروس بغداد. فمع اندلاع حرب الخليج، عكف الضباط الصينيون على دراستها بهوس، نظراً لتشابه الجيش العراقي في نواحٍ عدة مع جيش التحرير الشعبي الصيني. واستخلصت بكين أن الجيوش الجرارة التي تنتمي للعصر الصناعي تُعد ضعيفة بشكل خطير أمام حروب الأسلحة الدقيقة.

وعلى مدى العقود التالية، خفضت الصين أعداد قواتها بشكل كبير من قرابة 3.5 مليون فرد في عام 1990 إلى مليوني فرد بعد عقد من الزمان، وعملت على تحديث أنظمة القيادة، وتوسيع القوات الصاروخية، والاستثمار بكثافة في تكنولوجيا المعلومات. ومن المفارقات أن العديد من القدرات التي تتحدى التفوق العسكري الأمريكي حالياً في شرق آسيا، قد انبثقت من محاولة الصين استيعاب أسباب الانهيار السريع للجيش العراقي في عام 1991.

أثرت الثقة في القوة الأمريكية على القرارات الاقتصادية بقدر تأثيرها على القرارات العسكرية، مما شجع على أحد أكبر التوسعات في الاعتماد المتبادل الاقتصادي في التاريخ الحديث. إذ عبرت السلع ورؤوس الأموال والطاقة والمعلومات الحدود بسرعة غير مسبوقة، وارتفعت نسبة التجارة من الناتج العالمي من نحو 38 بالمائة في عام 1990 إلى قرابة 60 بالمائة بعد عقدين. وتبنى المصنعون نظام الإنتاج في الوقت المحدد. وامتدت سلاسل التوريد عبر القارات، مدفوعة بافتراض متزايد لدى الشركات بانعدام احتمالية نشوب حروب بين القوى الكبرى، وأن أي اضطرابات مستقبلية في التجارة البحرية ستكون مؤقتة فحسب.

وخلف هذا التفاؤل الاستثنائي، كمن افتراض أعمق مفاده أن الأسس الاستراتيجية للنظام الدولي باتت آمنة بشكل غير عادي، وهو أمر استند كلياً إلى الواقع المعاش للهيمنة العسكرية الأمريكية. وفي عام 1998، وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية “مادلين أولبرايت ” الولايات المتحدة بأنها ” الأمة التي لا غنى عنها “، لتعكس بذلك افتراضاً شائعاً بأن الاستقرار الدولي يعتمد في نهاية المطاف على القوة الأمريكية.

وقد احتفظ هذا الافتراض بقوته حتى خلال حرب العراق عام 2003، التي لم تؤثر على الأسواق العالمية بشكل جدي. ورغم اندلاع الحروب وتفجر الأزمات، ظلت حالات عدم الاستقرار الخطيرة هي الاستثناء وليس القاعدة. وقد بنى القادة السياسيون والشركات والمواطنون العاديون حول العالم توقعاتهم على الإيمان بأن الاضطرابات الكبرى التي تؤثر على الأسواق والسياسة العالمية سيتم احتواؤها في نهاية المطاف. وعلى غرار المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر بعد معركة ترافالغار (الطرف الأغر) عام 1805، مارست الولايات المتحدة نفوذاً تجاوز النطاق المباشر لقواتها العسكرية، لأن العالم كان قد سلّم باستحالة تحدي واشنطن. ولم يصبح العالم أكثر سماً بعد عام 1991، بل أصبح قابلاً للتنبؤ.

بذور الفناء الذاتي

من المفارقات أن النجاح ذاته الذي حققه نظام ما بعد الحرب الباردة هو ما أدى إلى تفككه؛ فقد كانت الثورة التكنولوجية التالية في المجال العسكري نتاجاً للتحول الاقتصادي الذي ساد في تلك الحقبة.

فقد استندت كل ثورة عسكرية كبرى إلى تحولات اقتصادية سابقة؛ إذ لا تصعد القوى العظمى لمجرد امتلاكها جيوشاً أو أساطيل متفوقة، بل لأن اقتصاداتها تولد الثروة والتكنولوجيا والقدرة الصناعية اللازمة للحفاظ على تلك القوات بمرور الوقت.

وقد اعتمدت ثورة الأسلحة الدقيقة الأولى، التي تجلت في سماء بغداد عام 1991، على قدرات لم تكن متاحة سوى لعدد محدود من الدول المتقدمة. فالذخائر الموجهة بدقة، والملاحة عبر الأقمار الصناعية، والاتصالات الآمنة، وأجهزة الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء، والمعالجات المتقدمة، تطلبت أنظمة بيئية صناعية لم تمتلكها سوى دول قليلة. ورغم أن حرب الخليج قد كشفت عن هذه القدرات للعالم، إلا أن التكنولوجيا الكامنة وراءها ظلت مركزة داخل الولايات المتحدة وبين أقرب حلفائها.

وعلى مدى العقود الثلاثة التالية، حولت العولمة هذه الأصول العسكرية النادرة إلى منتجات تجارية جماهيرية. وباتت صناعة أشباه الموصلات واحدة من أضخم الصناعات وأكثرها انتشاراً جغرافياً في العالم، حيث تجاوزت إيرادات الرقائق العالمية 790 مليار دولار في عام 2025 وتقترب من تريليون دولار سنوياً، مدفوعة بالأساس بالطلب على الهواتف الذكية، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي. وتعمل ذات سلاسل التوريد التي تنتج المعالجات المتقدمة للأسواق التجارية على تغذية تصنيع المكونات المستخدمة في الكاميرات، وأنظمة الملاحة، وأجهزة الحوسبة الطرفية (أجهزة حاسوب صغيرة تعالج البيانات محلياً بدلاً من الخوادم السحابية البعيدة).

ويحتوي الهاتف الذكي الحديث على قدرة حاسوبية تفوق ما امتلكته العديد من الأنظمة العسكرية إبان حرب الخليج، بالإضافة إلى كاميرات كانت حكراً على أقمار التجسس الصناعية. وقد خلقت الأسواق المدنية وفورات حجم هائلة لوحدات قياس القصور الذاتي المصغرة (أجهزة تتبع الموقع والسرعة والاتجاه)، ومستقبلات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وبطاريات الليثيوم، وأجهزة الاستشعار البصرية، وهي تكنولوجيا كانت تتطلب سابقاً رعاية حكومية.

وتوضح أجهزة الاستشعار هذا التحول بشكل جلي؛ فخلال الحرب الباردة، تطلبت حروب الأسلحة الدقيقة أنظمة استطلاع عسكرية باهظة الثمن. أما اليوم، فتوفر الأقمار الصناعية التجارية صوراً كانت متاحة للحكومات فقط. كما تُنتج الكاميرات عالية الدقة، وأجهزة الاستشعار الحراري، ومحددات المدى بالليزر، ورقائق الملاحة للصناعات المدنية بما في ذلك الزراعة والمركبات ذاتية القيادة. وبذلك، انهارت تدريجياً الحواجز التي كانت تفصل بين التكنولوجيا العسكرية والمدنية.

وقد أدى الذكاء الاصطناعي إلى تسريع هذه العملية بشكل إضافي؛ إذ توفر النماذج اللغوية الكبيرة، وأنظمة الرؤية الحاسوبية، والبرمجيات مفتوحة المصدر قدرات كانت تتطلب سابقاً مؤسسات متخصصة. وقد حوّل الاستثمار الخاص الضخم البرمجيات المتقدمة إلى سلعة متاحة عالمياً، حيث تجاوزت إيرادات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحدها 200 مليار دولار في عام 2025. وبشكل أعم، باتت القدرات التي كانت تتطلب برامج عسكرية بمليارات الدولارات قادرة الآن على الاعتماد على مكونات يتم شراؤها عبر القنوات التجارية العادية.
وأصبح بإمكان الطائرات المُسيّرة الصغيرة، المُجمّعة من إلكترونيات تم الحصول عليها من السوق التجاري، إحداث تأثيرات كانت ترتبط سابقاً بالأسلحة المتطورة التي لا تصنعها سوى الدول.

وتُعد الطائرة المُسيّرة الإيرانية “شاهد-136” مثالاً حياً على هذا التحول؛ فبدلاً من الاعتماد على تكنولوجيا عسكرية معقدة وباهظة الثمن، فإنها تدمج رقائق ملاحة متاحة تجارياً، ووحدات قياس القصور الذاتي، ومستقبلات الأقمار الصناعية، ووحدات الاتصالات، والمعالجات، والبرمجيات – التي صُمم العديد منها في الأصل للإلكترونيات المدنية – مع هيكل طائرة ومحرك بسيطين. والنتيجة هي سلاح دقيق مُجمّع في الغالب من مكونات وفرتها سلاسل التوريد التجارية العالمية ذاتها التي تدعم الاقتصاد الرقمي. ولا تكمن النقطة المحورية في التطور التكنولوجي لطائرة “شاهد”، بل في افتقارها إلى هذا التطور أساساً.

إن الاقتصاد العالمي ذاته الذي كافأ الكفاءة\القدرة – efficiency ، قد كافأ أيضاً سهولة الوصول- accessibility ؛ فقد تنافست الشركات عبر خفض التكاليف، وتوسيع الإنتاج، وتوزيع التكنولوجيا عبر الأسواق الدولية. وكل تحسين\تطوير جعل الهواتف الذكية أرخص، والبطاريات أكثر كفاءة، والمعالجات أكثر قوة، قد زاد في الوقت ذاته من القدرات المتاحة للدول الأضعف وحتى للفاعلين من غير الدول.

ومع ذلك، فإن العولمة التي ولدت رخاءً استثنائياً، قد خلقت أيضاً أنظمة مترابطة تؤدي فيها الاضطرابات المحلية إلى تداعيات عالمية. وغالباً ما تتسم الأنظمة عالية التطوّرو الكفاءة – Highly optimized بالهشاشة؛ حيث يولد أي اضطراب في منطقة ما تداعيات على بُعد آلاف الأميال. فعلى سبيل المثال، أثر نقص أشباه الموصلات أثناء جائحة كوفيد-19 على إنتاج السيارات عبر قارات متعددة. وفي عامي 2024 و2025، شن الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن هجمات عديدة على حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، الذي يؤدي إلى قناة السويس ويربط أوروبا بآسيا، كجزء من مواجهتهم الأوسع مع إسرائيل. ولم يكن بمقدور هؤلاء المسلحين هزيمة خصومهم الأقوى بكثير في معارك تقليدية، لكنهم استطاعوا استخدام حروب الأسلحة الدقيقة لتكبيد الاقتصاد العالمي تكاليف باهظة. وقد اضطرت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسار سفنها عبر رأس الرجاء الصالح بسبب التكاليف المرتفعة الناجمة عن حالة عدم اليقين، بما في ذلك إطالة أوقات العبور وارتفاع معدلات التأمين.

لقد ساهمت العولمة في إخراج أدوات حروب الأسلحة الدقيقة من دائرة احتكار الدول المتقدمة. وبحلول منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بدأ انتشار القدرات الدقيقة في عكس تلك العلاقة وجعل القوى العظمى عرضة لخصوم أضعف بكثير. وفي هذا السياق، احتوى نجاح نظام ما بعد الحرب الباردة على تناقض غير متوقع؛ فلقد أنتجت القوى الاقتصادية التي عززت النظام، بمرور الوقت، العديد من التقنيات التي ستجعل الحفاظ عليه أمراً بالغ التكلفة.

التداعي

لقد بدا أن الأسلحة الموجهة بدقة ستحل واحدة من أقدم المعضلات في التاريخ العسكري؛ إذ لم تعد القوى العظمى بحاجة إلى احتلال الأراضي لتحقيق أهداف استراتيجية، حيث يمكن للقوة الجوية أن تحل محل القوة البرية، والتكنولوجيا محل الحشود البشرية.
وكان الدرس الذي استخلصه العديد من المراقبين من عام 1991 واضحاً: إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحديد الأهداف، فيمكنها قمع المقاومة دون الحاجة إلى احتلال مساحات شاسعة من الأراضي.

وقد كشفت الحرب الإيرانية عن حدود هذا الافتراض، كما أعلنت عن وصول ثورة ثانية في حروب الأسلحة الدقيقة. فإذا كانت الصورة المميزة لشهر يناير 1991 هي قنبلة موجهة بالليزر تخترق ممر تهوية في بغداد، فإن الصورة المميزة للحرب الإيرانية هي طائرة مُسيّرة صغيرة ذات اتجاه واحد، مُجمّعة من إلكترونيات تجارية ومُطلقة بواسطة فريق متنقل في مكان ما على طول الساحل الجنوبي لإيران، تُحلق نحو أهداف في الخليج.

وقد وفر انتشار التكنولوجيا الجديدة طائرات مُسيّرة رخيصة الثمن، وصواريخ كروز، وأجهزة استشعار تجارية، وفرق إطلاق متنقلة. ولم يكن هدف إيران قط الهزيمة المباشرة للقوة البحرية الأمريكية في المعارك التقليدية بين السفن، بل كان إقناع الفاعلين التجاريين بأن القوة البحرية الأمريكية لم تعد قادرة على ضمان أمنهم المطلق.

وقد أثبت هذا النهج كفايته؛ ففي الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب، استمرت الناقلات في التحرك عبر الخليج، لكن أقساط التأمين ارتفعت بشكل حاد وانخفضت حركة المرور مع انتشار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. وخلال الأزمات السابقة في كل من مضيق هرمز والبحر الأحمر، تضاعفت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وقامت شركات الشحن بتحويل مسار السفن لآلاف الأميال حول أفريقيا بدلاً من قبول المخاطر المتزايدة. إن الاقتصادات الحديثة لا تتطلب النفط فحسب، بل تتطلب وصوله في الوقت المحدد، وبالكميات المطلوبة، وتحت ظروف يمكن التنبؤ بها. وبمجرد اختفاء الثقة، يمكن أن يظل الممر المائي مفتوحاً فعلياً رغم كونه غير موثوق به استراتيجياً.

ولقد اتبع الرد الأمريكي على محاولة إيران إغلاق مضيق هرمز المنطق التقليدي للقوى العظمى. وبالتعاون مع إسرائيل، قصفت الولايات المتحدة مواقع الرادار، وبطاريات الصواريخ، ومنشآت الطائرات المُسيّرة، ومناطق الإطلاق في جميع أنحاء جنوب إيران، ودمرت آلاف الأهداف. ولكن سرعان ما ظهرت أنظمة بديلة؛ إذ استطاعت إيران تفريق وإخفاء وإعادة بناء منصات الإطلاق المتنقلة الخاصة بها بوتيرة أسرع من إمكانية القضاء عليها. وما بدا في البداية كمشكلة بحرية تحول تدريجياً إلى مشكلة إقليمية على الأرض؛ حيث أمكن للولايات المتحدة تدمير حفنة من منصات الإطلاق، لكنها لم تستطع إحكام سيطرتها على آلاف الأميال المربعة من الأراضي. وقد جسدت حادثة إسقاط إيران لمروحية أمريكية من طراز “أباتشي” في شهر يونيو المأزق الأمريكي؛ فباستخدام طائرة “شاهد” التي تبلغ تكلفتها 20,000دولار، دمرت إيران أصلاً عسكرياً متقدماً بقيمة 35 مليون دولار. وحتى أقوى جيش على وجه الأرض لا يمكنه القضاء على تهديد الطائرات المُسيّرة الرخيصة.

إن التحدي الإيراني المستمر للولايات المتحدة يمثل أكثر من مجرد نجاح تكتيكي. فإيران تتعامل باطراد مع المسارح المنفصلة كمكونات لنظام استراتيجي واحد، فهي تدعم أنشطة حزب الله في لبنان، والميليشيات الموالية لإيران في العراق، والحوثيين في اليمن. وقد استهدفت القواعد الأمريكية والبنية التحتية الحيوية في الدول الخليجية المجاورة. والنتيجة هي ظهور مجال نفوذ إيراني مبني، ليس على الغزو، بل على التعطيل المستمر. وتجعل الثورة (الرقميّة) الدقيقة الثانية – The Second Precision Revolution هذا التعطيل واسع النطاق والمستمر أمراً ممكناً.

ليس مقدراً لإيران أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط؛ فاقتصادها لا يزال ضعيفاً، وجيشها التقليدي لا يزال أدنى مستوى من نظيريه الأمريكي والإسرائيلي، كما أن العديد من الحكومات العربية لا تزال تخشى طهران أكثر مما تثق بها. لكن نجاحها العملياتي قد يخلق فرصاً سياسية؛ فإذا ما توصلت الحكومات والأسواق والقوى الخارجية بصورة متزايدة إلى استنتاج مفاده أنه لا يمكن اتخاذ قرار رئيسي في الخليج دون الأخذ في الاعتبار التفضيلات الإيرانية، فإن النفوذ العسكري الإيراني سيتحول تدريجياً إلى نفوذ سياسي. إن أسواق التأمين، وتجار الطاقة، وشركات الشحن، والحكومات الإقليمية لا تستجيب للقوة ذاتها فحسب، بل للتحولات في التوقعات بشأن القوة المستقبلية. فالتوقعات تتغير أولاً، وعادة ما تتبعها المؤسسات لاحقاً.

وتبقى مسألة ما إذا كانت إيران ستحول في نهاية المطاف نفوذها العملياتي إلى شكل من أشكال التفوق الإقليمي أمراً غير مؤكد، لا سيما وأنه من غير الواضح كيف ستنتهي المرحلة الحالية من القتال. غير أن انتشار تقنيات الأسلحة الدقيقة قد قلب الموازين؛ فقد أوحى الانتصار الأمريكي السريع والحاسم في حرب الخليج بأن حروب الأسلحة الدقيقة تسمح للقوى العظمى بالسيطرة على الأراضي المتنازع عليها بتكلفة زهيدة نسبياً. في المقابل، تشير الحرب الإيرانية إلى أن انتشار تكنولوجيا الأسلحة الدقيقة يربك القوى العظمى ويجعل السيطرة على المساحات المتنازع عليها أمراً بالغ الصعوبة.

ساحة المعركة القادمة

إن ما حدث في مضيق هرمز قد يقع على نطاق أوسع في شرق آسيا. فالسيناريو التقليدي لصراع حول تايوان يفترض أن تفرض الصين حصاراً على الجزيرة وأن تعاني تايوان جراء هذا الحصار. بيد أن ثورة الأسلحة الدقيقة الثانية تشير إلى احتمالية أكثر تعقيداً: أن تايوان يمكنها استخدام الطائرات المُسيّرة، وبطاريات الصواريخ المتنقلة، وأجهزة الاستشعار التجارية، والذكاء الاصطناعي لتعطيل وتهديد التجارة البحرية الصينية.

يُذكر أن حوالي خُمس التجارة البحرية العالمية تمر عبر مضيق تايوان، مما يجعله أحد أكثر الممرات المائية أهمية من الناحية الاقتصادية في العالم. ورغم النجاح الاقتصادي الاستثنائي للصين، فإن ما يقرب من 40 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي يعتمد على التجارة – والغالبية العظمى منها تُنقل بحراً. وكما اختارت إيران عسكرة نقطة الاختناق في مضيق هرمز، فإن تايوان قادرة على فعل الشيء ذاته.

يُمكن تصور تايوان كمنصة إطلاق ضخمة غير قابلة للغرق، تضم آلاف الطائرات المُسيّرة التي يصل مداها إلى 750 ميلاً. وتقع الموانئ البحرية الرئيسية للصين ضمن هذا النطاق، بما في ذلك ميناء شنغهاي، وميناء نينغبو-تشوشان، وميناء شنجن. ولذلك، لا يقتصر الخطر على حركة الملاحة المارة عبر مضيق تايوان فحسب، بل يمكن لتايبيه بذل المزيد لإلحاق الأذى بخصمها الأكبر، وبإمكانها تهديد الممرات التجارية المؤدية إلى الموانئ الرئيسية للصين بصورة مستمرة حتى في غياب حصار رسمي.

بإمكان الصين تحويل مسار بعض الشحنات شرق تايوان أو عبر ممرات بحرية أبعد بالقرب من دول أخرى. ولكن على غرار تحويل المسار حول رأس الرجاء الصالح خلال أزمة البحر الأحمر، فإن القضية لا تكمن في إمكانية استمرار التجارة على الإطلاق، بل في إمكانية استمرارها بشكل قابل للتنبؤ وبتكاليف مقبولة. وسينبع نفوذ تايوان من موقعها الجغرافي المشرف على الممرات البحرية المؤدية إلى القلب الصناعي للصين، ومن قدرة الجزيرة، بفضل ثورة الأسلحة الدقيقة الثانية، على جعل تلك الممرات محفوفة بالمخاطر بشكل دائم.

ولن تحتاج تايوان إلى إغراق الكثير من السفن لإحداث تداعيات ملموسة على جيش التحرير الشعبي الصيني؛ إذ يمكن لحفنة من الهجمات الناجحة بالطائرات المُسيّرة – أو حتى مجرد احتمالية وقوع هجمات مستقبلية – أن تؤدي إلى تسلسل مألوف للأحداث: ارتفاع حاد في معدلات التأمين، وإعادة تقييم المخاطر من قِبل الناقلين التجاريين، وانخفاض حركة الملاحة. وسيتداعى الاضطراب الاقتصادي حتى وإن ظل الدمار المادي محدوداً. وبالنظر إلى اعتماد العالم على السلع الصينية، فإن التأثير على معظم الدول سيكون قاسياً وسيحدث في غضون أشهر، مما يهدد بانكماش الاقتصاد العالمي. ومن المرجح أن يشهد الاقتصاد الصيني المعتمد على التجارة أقسى صدماته الخارجية منذ إطلاق الإصلاحات الاقتصادية الكبرى في الثمانينيات، وسيتعين عليه التكيف مع انهيار الثقة التي تعتمد عليها التجارة الحديثة. وستتعرض كل من واردات الطاقة، وسلاسل التوريد التصنيعية، وصناعات التصدير، وتمويل الشحن، والاستثمار الأجنبي لضغوط متزامنة. في الواقع، قد تدفع المعاناة الأمريكية خلال الحرب الإيرانية الصين إلى إدراك حماقة مهاجمة تايوان؛ إذ يمكن للجزيرة أن تكرر الاستراتيجية الإيرانية بتداعيات هائلة على الصين والعالم بأسره.

قواعد القوة الجديدة

قد تدور الصراعات المستقبلية بشكل متزايد حول نقاط الاختناق الاقتصادية الرئيسية في العالم – بما في ذلك مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقا، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز ذاته.
وإن ارتفاع معدلات التأمين، وزيادة تكلفة الشحن، وازدواجية سلاسل التوريد، والحاجة إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر واحتياطيات استراتيجية، فضلاً عن الضغوط السياسية لتعزيز الإنتاج المحلي، من شأنها أن ترفع تدريجياً تكاليف التجارة الدولية. وبذلك، فإن العالم الذي سوّته العولمة سيتعرض مرة أخرى للتعرجات والتصدعات. ونتيجة لذلك، بدأت تتبلور الآن مجموعة جديدة من الافتراضات والقواعد الحاكمة للنظام العالمي.

لم يعد التفوق العسكري الأمريكي يضمن تحقيق نتائج سياسية بتكلفة منخفضة. فالولايات المتحدة تحتفظ بقوة تدميرية لا تضاهى، إلا أن تدمير الأهداف وتحديد النتائج أمران مختلفان. فبقدر ما تستطيع واشنطن معاقبة أعدائها، فإنها تجد صعوبة بالغة في إجبارهم على الإذعان. وعلاوة على ذلك، لم يعد التصعيد يصب في مصلحة الولايات المتحدة تلقائياً؛ فالأسلحة الدقيقة، والجغرافيا، والشبكات المتفرقة تسمح للفاعلين الأضعف برفع التكاليف بوتيرة أسرع من قدرة القوى الأقوى على قمعهم. ورغم أن الولايات المتحدة تستطيع التصعيد باستخدام القوة الجوية بل واللجوء إلى القوات البرية، إلا أنها لم تعد تحتفظ بالهيمنة التصعيدية.

وفي غضون ذلك، لم يعد التدخل الأمريكي ضامناً للاستقرار الاقتصادي في المنطقة المستهدفة. فطوال ثلاثة عقود، افترضت الأسواق أن القوة الأمريكية تساعد في تقليص المخاطر، أما اليوم، باتت التدخلات الأمريكية تثير حالة من عدم اليقين. ورغم أن العولمة قد خلقت رخاءً استثنائياً، إلا أنها أوجدت في الوقت ذاته نقاط ضعف لا يمكن للقوة العسكرية وحدها القضاء عليها بسهولة. وباتت القوى الأضعف ترى الآن إمكانية تحدي الولايات المتحدة، وأن المقاومة لم تعد يائسة بالضرورة. ولا يحتاج هؤلاء الفاعلون إلى هزيمة الولايات المتحدة لإحباطها، بل يحتاجون فقط إلى تقويض الثقة، وفرض التكاليف، والصمود بما يتجاوز التوقعات بهزيمتهم. فلم يعد الهدف هو النصر التقليدي في ساحة المعركة، بل خلق النفوذ من خلال التعطيل.

ولا يعني هذا أن كل دولة ضعيفة قادرة اليوم على إحباط الولايات المتحدة، بل يشير إلى أن عدداً أكبر بكثير من الدول مرجح أن يكتسب هذه القدرة مع استمرار انتشار تكنولوجيات الثورة الدقيقة الثانية. وستشكل الجغرافيا، والأهداف الاستراتيجية، والوصول إلى أنظمة الأسلحة الدقيقة الرخيصة ملامح هذه البيئة الجيوسياسية الجديدة.

وعلى مدار معظم التاريخ الحديث، حولت الدول الأقوى ثروتها الاقتصادية إلى تفوق عسكري، وتفوقها العسكري إلى نفوذ سياسي. وبدا أن حقبة ما بعد الحرب الباردة تعزز هذه العلاقة، إلا أن ثورة الأسلحة الدقيقة الثانية تشير إلى نمط مختلف؛ حيث يؤدي النجاح الاقتصادي إلى انتشار التكنولوجيات الجديدة واعتمادها على نطاق واسع، وهو ما يساعد الفاعلين الأضعف ويتيح لهم فرض تكاليف أكبر على خصومهم الأقوى مقارنة بما كان متاحاً لهم في الماضي. وبناءً على ذلك، لم تعد القوة الجيوسياسية لقوة عظمى كالولايات المتحدة تُقاس بقدرتها على التحكم في الآخرين، بقدر ما هي انعكاس للثقة التي يوليها الآخرون للأنظمة التي تحافظ عليها وترسي دعائمها. وقد يثبت أن مضيق هرمز كان مجرد البداية. فإذا ظهرت الآليات ذاتها حول تايوان، فإن الحقبة القادمة من السياسة الدولية لن تُعرّف بتوسع العولمة، بل بتكاليف حمايتها.

المصدرForeign Affairs
شارك الموضوع