استراتيجيّة إيران الكبرى بعد الحرب: من الثورة إلى الدولة

ايران: استراتيجيّة إيران الكبرى بعد الحرب: من الثورة إلى الدولة حيث تستمرت الأيديولوجيا لكنها أخضعت للمصلحة الوطنية ومتطلبات سلطة الدولة ولقد فصل الجيل الجديد بين الثورة وفن إدارة الدولة وعكست إدارة إيران للحرب اللاحقة هذا النهج التكنوقراطي للجيل الجديد

مشاهدة واحدة
22 دقائق من القراءة
استراتيجيّة إيران الكبرى بعد الحرب من الثورة إلى الدولة_ attras.org
استراتيجيّة إيران الكبرى بعد الحرب من الثورة إلى الدولة_ attras.org copyrights : foreignaffairs.com

استراتيجيّة إيران الكبرى بعد الحرب: من الثورة إلى الدولة

( نُشر هذا التحليل الهام والبارع بعنوان : Iran’s New Grand Strategy : How a Remade Islamic Republic Will Reshape the Middle East للكاتبين : Narges Bajoghli and Vali Nasr في دوريّة : Foreign Affairs و نعيد هنا نشر الترجمة العربيّة © الكاملة له )

مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، بدت الجمهورية الإسلامية مثخنة بالجراح ومستضعفة؛ إذ أسفر القصف الجوي واسع النطاق عن تدمير البنية التحتية والقطاع الصناعي، في حين أدى الحصار البحري الأمريكي إلى شلّ حركة اقتصاد يعاني أساسًا من الأزمات. وفي أوائل مارس، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة قائلاً: “لقد دمرنا إمبراطورية الشر برمتها”. بعد ذلك بأسابيع قليلة، أعلن عن تحقيق “نصر ساحق ومطلق”.

بيد أنه بعد مرور ثلاثة أشهر على تلك الأحداث، تبدو الصورة مغايرة تمامًا؛ إذ لاتزال إيران تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، وعلى الرغم من دعوة ترامب للشعب الإيراني للإطاحة بالنظام، فلا تلوح في الأفق بوادر أي انتفاضة شعبية. ومن ثم، فقد ثبت استحالة تحقيق الهدف الأولي للحرب، والمتمثل في توجيه ضربة قاضية للجمهورية الإسلامية.وبدلاً من كسر شوكة إيران، فإن بوتقة الحرب قد أعادت تشكيلها على نحو غير متوقع.

فمن أجل البقاء وتأسيس مزايا استراتيجية جديدة، تعين على الجمهورية الإسلامية التكيف والابتكار، مغيرّةً أسلوب خوضها للحرب، وإدارتها للدولة، وتوجيهها للمجتمع،وتطلب ذلك كله سرعة غير مسبوقة. وتتولد لدى طهران اليوم ثقة تامة بما حققته، مع عزم أكيد على ترسيخ تلك المكاسب داخليًا وخارجيًا. لقد أفضت الحرب إلى ولادة إيران جديدة؛ إيران التي ستعيد صياغة الشرق الأوسط وتؤثر في مسار الجغرافيا السياسية لسنوات قادمة.

انتقال هادئ للسلطة

 استشعارًا لضعف النظام الإيراني جراء حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل في يونيو 2025، والانتفاضة الشعبية في يناير 2026، شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات جوية على إيران في 28 فبراير، وتوقعات تحقيق نصر سريع عبر عمليات اغتيال مستهدفة للقيادة الإيرانية. بيد أن سياسة “قطع الرأس” لم تؤدِّ إلى انهيار النظام، بل فتحت الباب عوضًا عن ذلك لجيل جديد لتولي مقاليد الأمور. يرى العديد من المراقبين الغربيين أن القيادة الجديدة التي برزت إبان الحرب -والتي يهيمن عليها الحرس الثوري الإيراني- هي أكثر تشددًا من الناحية الأيديولوجية وأكثر صقورية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. 

بيد أن هذا التقييم يفتقر إلى الدقة؛ إذ إنما يميزها حقًا هو أمر أكثر عمقًا وأشد تأثيرًا. يركز المراقبون في الخارج على حفنة من القادة الكبار مثل “مجتبى خامنئي” المرشد الأعلى الجديد؛ و “محمد باقر قاليباف ” رئيس البرلمان؛ و” أحمد وحيدي” قائد الحرس الثوري. بيد أن التحول الأكثر أهمية يكمن في الصفوف الأدنى منهم: جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين والمدنيين الذين تبلور وعيهم بعد ثورة عام 1979؛ إذ يشغل هؤلاء اليوم مواقع صنع القرار الرئيسية، وتعمل رؤيتهم القومية للحكم والأمن على إعادة تعريف الجمهورية الإسلامية.إن الرؤى العالمية لجيل التأسيس، بمن فيهم “روح الله الخميني” و “علي خامنئي” قد صقلتها عقود من معارضة حكم “محمد رضا شاه بهلوي” المدعوم من الولايات المتحدة، وسنوات قضاها في سجون الشاه أو في المنفى. 

أما الذين يمسكون بزمام المبادرة اليوم -وهم الجيل الثوري الثاني في إيران، بمن فيهم مجتبى خامنئي و قاليباف ووحيدي- فقد كانوا في مرحلة المراهقة والشباب إبان الحرب العراقية الإيرانية، حيث تبلورت رؤيتهم للعالم في خنادق أطول حرب تقليدية في القرن العشرين. 

في المقابل، فإن جيل الإدارة الجديد في المؤسسات السياسية والعسكرية الإيرانية -وهو الجيل الثوري الثالث- لم يعرف سوى إيران ما بعد الثورة. وقد تبنى أعضاء طبقة الضباط هذه في القوات المسلحة والحرس الثوري والمؤسسات الأمنية التابعة لها ثقافة تكنوقراطية منظمة ورؤية استراتيجية متمحورة حول الدفاع الوطني لا الأيديولوجيا الثورية. وهم يحكمون اليوم بثقة القادة الذين يعتقدون أنهم دافعوا بنجاح عن إيران في حربين ضد قوى متفوقة عسكريًا (حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي، والصراع الأكبر بكثير هذا العام)، محققين ما وعدت به الثورة دون أن تنجزه: وهو إضعاف حقيقي للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.لقد كان المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من حرب فبراير، نتاجًا للتيارات الفكرية والسياسية لإيران ما قبل الثورة في العهد البهلوي. وصُقلت تنشئته السياسية عبر السجال مع القوميين العلمانيين، واليساريين، والليبراليين الذين شاطروه أهداف الإطاحة بالملكية ومقاومة الإمبريالية الغربية. وبمجرد وصولهم إلى السلطة، فرض قادة الثورة أيديولوجيتهم على إيران، لكنهم لم يتغلبوا قط على حالة عدم الأمان الكامنة في فرض حقهم في حكم مجتمع يرفض الخضوع المطلق.

بيد أن الجيل الجديد لا يملك تجربة مباشرة مع أي من هذه المعطيات؛ فقد كان معظمهم أطفالاً إبان تأسيس الجمهورية الإسلامية، ونشأوا مؤمنين بشرعيتها في الحكم. لم يشق هؤلاء الرجال طريقهم إلى السلطة عبر النضال، بل نشؤوا داخل مؤسساتها، واعتبروا شرعيتهم أمرًا بديهيًا. وبناءً على ذلك، غابت لديهم حالة عدم الأمان التي وسمت جيل التأسيس -والتي تجلت في الحاجة المستمرة لإثبات حقيقة الثورة وجدية ادعاءاته وهزيمة النخبة القديمة- فهم لا يدافعون عن ثورة، بل يديرون دولة.

وينطوي هذا التمايز النفسي على تداعيات عملية هائلة؛ فعندما واجه جيل علي خامنئي العالم – سواء في مفاوضات الرهائن، أو المحادثات النووية، أو المواجهات الإقليمية- كان هناك دائمًا تيار خفي من الشعور بالمظلومية، تتردد أصداؤه في خطاب العدالة التاريخية والانتصار الإسلامي. وعلى الرغم من قوة هذا الخطاب وصدقه، فإنه شكّل عبئًا استراتيجيًا؛ إذ جعل سلوكهم متوقعًا ودفاعيًا، ويدفعهم للخلط بين الدفاع عن الأيديولوجيا والدفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية، والتي لم تكن تتطابق دائمًابالضرورة.أما الجيل الجديد فقد فصل بين الثورة وفن إدارة الدولة؛ فلا يتبنى القادة الجدد، داخليًا أو خارجيًا، طموحات ثورية مفرطة ولا يدعون للنشاط الثوري، بل هم فاعلون مؤسسي يمثلون النخبة الحاكمة: قوميون براغماتيون متمرسون يعملون وفق تقييم دقيق لقدرات إيران ونقاط ضعفها. وخلافًا لأسلافهم، يمتلك هؤلاء القدرة على ممارسة الصبر الاستراتيجي والتحرك بحسم، ويتناولون نقاط ضعف إيران علنًا بصورة متكررة -وهو أمر عجز جيل التأسيس عن القيام به بصدق نتيجة عدم شعوره بالأمان- ويتعاملون معها بوصفها مشكلات تتطلب حلولاً. وكانت هذه الغريزة هي الدافع وراء التغييرات التي أجرتها طهران في الفترة الفاصلة بين الحربين.صقلتهم المعارك قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في يونيو 2025، افترض حكام إيران إمكانية الحفاظ على حالة “لا حرب ولا سلم” مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أجل غير مسمى.

 بيد أن الأحداث أثبتت خطأ هذا الافتراض، وبدأت عملية مراجعة هذا الركود منذ اللحظة التي انتهت فيها حرب الاثني عشر يومًا. وتوقعت القيادة الجديدة للحرس الثوري انهيار وقف إطلاق النار المبرم في يونيو واندلاع حرب أخرى، مع احتمال انخراط الولايات المتحدة فيها منذ البداية. وتبعًا لذلك، شرعت الجامعات الإيرانية، والمؤسسات البحثية،ومراكز الفكر، والهيئات الحكومية في تنظيم نقاشات حول الدروس المستفادة والتغييرات المطلوبة. 

وشهدت تلك الأشهر الثمانية تغييرات مؤسسية تفوق ما حدث في السنوات العشر السابقة مجتمعة؛ إذ جرى تفويض الصلاحيات التنفيذية المتعلقة بالتجارة والزراعة وإدارة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية من طهران إلى عواصم المحافظات. وخضعت المؤسسات المشرفة على الدعاية والاتصال مع الجمهور المحلي ونشر المعلومات في الخارج لعملية إصلاح جيلي شاملة. فبعد أن ظل الخمول المؤسسي سمة مميزة للبيروقراطية في الجمهورية الإسلامية لفترة طويلة، حل محله ضرورة التكيف السريع، وفي غضون ذلك، تولى صناع القرار التكنوقراط زمام الأمور.

وبعد مقتل خامنئي في ضربة جوية أمريكية إسرائيلية، تم انتقال السلطة إلى نجله “مجتبى” بسرعة وبشكل منظم للغاية؛ إذ اختاره الجيل الجديد الذي برز من حرب يونيو 2025 جزئيًا لكونه من أشد الداعمين لهم منذ فترة طويلة.

 لقد كان مجتبى عضوًا في الحرس الثوري وحارب في الحرب العراقية الإيرانية قبل التحاقه بالحوزة العلمية ليصبح رجل دين، ثم عمل لاحقًا إلى جانب والده، مشرفًا على تحول الحرس الثوري وصعود قياداته المستقبلية. وقد أكد صعود مجتبى هذا التحول الجيلي وسرّع من وتيرته، مفضيًا إلى تماسك المؤسسات وتقويتها، على النقيض تمامًا من سيناريو الانهيار المؤسسي الذي كانت تتوقعه واشنطن.ولقد كان لطريقة مقتل خامنئي الأب، في منزله وليس في ملجأ حصين، أثر بالغ الأهمية؛ إذ سارعت القيادة الجديدة إلى تصوير وفاته بوصفها شهادة، وr] نجح هذا المسعى.

وبدلاً من إحباط النظام، منح اغتيال خامنئي جيل القادة الجديد اتجاهًا وهدفًا واضحين، وتجلت خطوتهم الأولى في تعبئة القواعد الشعبية للجمهورية الإسلامية حول حادثة مقتله، مما ساهم أيضًا في حشد قطاع أوسع من المجتمع الإيراني خلف قيادته.

” لقد فصل الجيل الجديد بين الثورة وفن إدارة الدولة ” وعكست إدارة إيران للحرب اللاحقة هذا النهج التكنوقراطي للجيل الجديد. لطالما أديرت الجمهورية الإسلامية عبر شبكة فوضوية من مراكز القوى المتنافسة، مما أفرز نقاشات داخلية عقيمة وشللاً إداريًا.  بيد أن هذه الفوضى تراجعت في الفترة الفاصلة بين الحربين لصالح الانضباط التنظيمي والمرونة الاستراتيجية؛ إذ جرى تأسيس ” المجلس الأعلى للدفاع ” الجديد -بقيادة جنرالات الحرس الثوري ” عبد الرحيم موسوي ” و “محمد باكدور ” و “علي شمخاني ” ،لتسريع التغييرات العسكرية. 

وفي موازاة ذلك، أدى قاليباف – وهو جنرال سابق في الحرس الثوري وتولى رئاسة البرلمان عام 2020- وعلي لاريجاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي، أدوارًا مماثلة في البيروقراطية المدنية والاقتصادية، بالتنسيق مع الوزارات الحكومية والسلطات المحلية. 

وبوصفهم من قدامى المحاربين في الحرب العراقية الإيرانية، فقد تعلم هؤلاء الرجال كيفية إدارة الأزمات في مواجهة احتمالات شبه مستحيلة على جبهات القتال. ومواجهةً للتحدي الأكبر الذي يواجه إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحرك جيل التأسيس بسرعة لإعادة تنظيم إدارة الدولة حول متطلبات الحرب. وأشرف هؤلاء القادة الأكبر سنًا على عملية الانتقال إلى الجيل الجديد، الذي سرعان ما أعاد تنظيم مراكز القوى المشتتة في هيكل متماسك لصنع القرار قادر على البقاء حتى في حال فقدان أي قائد بمفرده.وجرت إعادة هيكلة القوات المسلحة الإيرانية لتتحول إلى شبكة من القيادات العملياتية شبيهة بقوات حرب العصابات أكثر من جيش تقليدي، مع تركيز الصلاحيات في أيدي مجموعات متجانسة فكريًا بدلاً من توزيعها على فصائل متعددة. ورغم مقتل لاريجاني وموسوي و باكدور وشمخاني في ضربات إسرائيلية لاحقة، فإن المرونة التي ساعدوا في بنائها لم تتأثر.  وفي ميدان المعركة، طبقت القوات المسلحة الإيرانية دروس حرب يونيو 2025 بدقة عالية؛ إذ ردت على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ في فبراير 2026 بإطلاق دفعات منتظمة من الصواريخ والطائرات المسيرة المصممة لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وخلصت طهران إلى أن خصومها توقعوا تدميرقدراتها الصاروخية بسرعة، ولم يكونوا مستعدين لحملة طويلة الأمد. 

وإبان حرب 2025، استهدفت إسرائيل مداخل “مدن الصواريخ” الإيرانية، مما أدى عمليًا إلى إغلاقها وإجبار إيران على الإطلاق من المناطق الشرقية البعيدة عن متناول إسرائيل. ورداً على ذلك، قامت إيران بنشر منصات إطلاق الصواريخ عبر جغرافيتها الشاسعة، ودمجت المهندسين داخل مدن الصواريخ إلى جانب العسكريين لإصلاح المنصات والمداخل المتضررة فورًا؛ مما مكنها من مواصلة إطلاق النار لفترة أطول مما توقعته إسرائيل والولايات المتحدة.كما نشر الحرس الثوري طائرات مسيرة رخيصة التكلفة لإغراق أنظمة الرادار والمواقع العسكرية الأمريكية في الخليج العربي وإسرائيل، مما أعاق حملة القصف وفتح مسارات صاروخية نحو الأهداف في جميع أنحاء المنطقة.

 وتأسيسًا على منطق الحرب غير المتماثلة-ومستفيدة من تجربة الهجمات البشرية المكثفة لإغراق المواقع العراقية في الثمانينيات- أرسلت إيران أسرابًا من مسيرات “شاهد”. 

وقد أدت هذه الأسلحة الرخيصة والمستهلكة إلى إضعاف الدفاعات الجوية التي تحمي القواعد الأمريكية، وتلك الخاصة بحلفاء واشنطن العرب، وفتحت ممرات للصواريخ الدقيقة لضرب أهداف ذات قيمة عالية. لقد تعلم الجيش الإيراني ألا يقتصر على تلقي الضربات فحسب، بل أن يحقق مزايا استراتيجية من خلال إحباط أهداف الخصم من الحرب.

توازن قوى جديد 

إن النصر الأكثر أهمية لجيل القادة الجديد يكمن ببساطة في نجاح استراتيجيتهم؛ إذ نجت الدولة من استهداف قياداتها العليا، وصمدت أمام القصف الأمريكي والإسرائيلي العنيف، وفرضت سيطرتها على مضيق هرمز، وتصدت للحصار البحري الأمريكي. وفي غضون ذلك، وسعت ميدان المعركة ليشمل الخليج العربي، ملحقة أضرارًا جسيمة بست عشرة قاعدة أمريكية ومخرجة بعضها من الخدمة. وفي مارس، أرغمت الفصائل العراقية المسلحة الولايات المتحدة على إخلاء “معسكر فيكتوري”، وهو منشأة عسكرية أمريكية كبرى في بغداد كانت القوات الأمريكية تحتلها منذ عام 2003. كما تسببت الهجمات الإيرانية في أزمة ثقة لدى دول الخليج؛ إذ جلبت الولايات المتحدة الحرب إلى مدنهم وبنيتهم التحتية الحيوية وفشلت في حمايتهم، مما جعل اقتصاداتهم تقع ضحية لهذا الصراع. 

ومن المرجح أن يستمر هذا الشرخ في الثقة بين عواصم الخليج وواشنطن إلى ما بعد الصراع الحالي. ويظل التساؤل قائمًا حول عدد القواعد الأمريكية التي ستعاد إعادة بنائها، وما إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب يرون جدوى من وجودها في مواجهة إيران التي أثبتت قدرتها على التحكم في مضيق هرمز.ومن خلال إغلاق المضيق واستهداف بنية الطاقة التحتية، فرضت إيران تكاليف باهظة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وأظهر هذا الهجوم -الذي جمع بين أسراب المسيرات و”أسطول البعوض” من الزوارق السريعة والتهديد بالألغام- قدرات كانت واشنطن قد قللت من شأنها طويلاً.

 وترى طهران في حالة الجمود الراهنة توازن قوى جديدًا؛ فبينما ضغط الحصار البحري الأمريكي على الاقتصاد الإيراني، جاء ذلك على حساب كشف الأهمية الاستراتيجية لسيطرة إيران على المضيق. وعبر التحول من الحرب الجوية إلى الحصار البحري، أقرت الولايات المتحدة عمليًا بأن إيران قد غيرت أرض المعركة التي يدور عليها الصراع. 

لقد تبنى ترامب الحصار البحري بوصفه الحل الحاسم الذي سيضمن كسب الحرب، لكنه لم يسفر إلا عن زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي. ووفرت حالة الجمود هذه تكافؤًا استراتيجيًا أكبر، وهو ما أكدته القيادة الإيرانية بإعلانها أن الحرب لن تنتهي إلا عندما ترفع الولايات المتحدة وإيران قيودهما عن الخليج العربي. ومستقبلاً، ستوظف طهران السيطرة على المضيق -الذي يعد ممرًا اقتصاديًا عالميًا حيويًا لا يمكن إنكاره- كرافعة اقتصادية وأداة ردع ضد أي هجمات مستقبلاً. 

وبالنسبة لقادة إيران، فإن هذه القوة المستحدثة تعوض جزئيًا الخسائر التي تكبدتها خلال الحرب، بما في ذلك تراجع قدرات حليفها اللبناني “حزب الله”، والصدمات الأخرى التي واجهتها في السنوات الأخيرة، مثل خسارة سوريا كممر إستراتيجي بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان أقوى حلفاء إيران في العالم العربي.

ومن منظور طهران، فإن سياسة الاحتواء التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران لعقود قد انتهت؛ إذ لن يتحدد النظام الإقليمي الجديد بالهيمنة الأمريكية، بل بالتعددية القطبية، مع بروز الصين كلاعب محوري متزايد الأهمية، وإيران كفاعل أصيل لا هامشي.

وتعتزم طهران ترسيخ هذه المكاسب في أي اتفاق ينهي الحرب؛ إذ يعكس إصرارها على السيطرة على مضيق هرمز وتحصيل رسوم من السفن المارة، واشتراطاتها المسبقة للمحادثات- المتمثلة في وقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحصار البحري الأمريكي- إيمان القيادة بأن الحرب قد غيرت ميزان القوى لصالحها، ويتفاوض حكام إيران الجدد بناءً على هذه المعطيات.

فن إدارة الدولة فوق الأيديولوجيا 

أمنت إيران هذه المكاسب الاستراتيجية من خلال التطبيق السريع لدروس حرب الاثني عشريومًا. ففي يونيو 2025، وجدت إيران نفسها تخوض الحرب وفقًا لشروط إسرائيل؛ أما هذه المرة، فقد صممت على خوضها بشروطها الخاصة. 

وإلى جانب إعادة تنظيم الجيش الإيراني، برزت عدة تطورات نوعية؛ أولها استهداف طهران للبنية التحتية للمعلومات؛ إذ أدركا لقادة الإيرانيون مبكرًا عجزهم عن مجاراة التفوق الأمريكي والإسرائيلي في استخبارات الأقمار الصناعية، والضربات الدقيقة، والدفاع الجوي المتكامل. وبناءً على ذلك، عملوا على إرباك عملية صنع القرار الميداني لدى الخصم عبر إحداث فجوات بين ماترصده أجهزة الاستشعار وما يفسره القادة. 

وأدت الضربات التي استهدفت منشآت الرادار الأمريكية في الخليج العربي إلى إضعاف البنية التحتية للإنذار المبكر والتوجيه التي تعتمد عليها العمليات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. لقد ركزت إيران بشكل منهجي على إضعاف التفوق التكنولوجي للخصم بدلاً من مواجهته مباشرة. وتمثل التطور الرئيسي الثاني في سيطرة إيران على مضيق هرمز. لطالما نوقش إغلاق المضيق في طهران كخيار عملي، ولطالما استبعدته واشنطن مبررة ذلك بأنه سيضر بصادرات إيران نفسها. وفضلاً عن ذلك، اعتقد المسؤولون الأمريكيون أن القوة البحرية الأمريكية قادرة على تدمير الأسطول البحري الإيراني في بداية الحرب، مما يحرم طهران فعليًا من القدرة على إغلاق المضيق. 

بيد أن إيران أثبتت خطأ هذه الافتراضات؛ فعلى مدى أربعة عقود، تمحورت العقيدة العسكرية الإيرانية حول الحرب غير المتماثلة المصممة لاستغلال نقاط ضعف القوات التقليدية الأمريكية والإسرائيلية. ولم تكن بحاجة إلى بحرية تقليدية لإغلاق المضيق؛ إذ تمكنت باستخدام الطائرات المسيرة، والزوارق السريعة، والتهديد بالألغام من فرض سيطرتها عليه، مع ضبط مستوى الضغط بطريقة مدروسة واستدامته لأسابيع، متجنبة المواجهة الشاملة التي لم تكن مستعدة لكسبها.

وبات مضيق هرمز يُنظر إليه الآن من كافة الأطراف بوصفه ورقة رابحة بيد إيران، لاممرًا مائيًا مفتوحًا بضمانة أمريكية. وفي هذا السياق، صرح أحد المحللين الإيرانيينقائلاً: “لم يعد تخفيف العقوبات مهمًا بالنسبة لنا لأننا نعلم أنه لن يأتي، وحتى إنجاء فلن يدوم طويلاً. نحن لا نكرر أخطاء الماضي؛ فالآن مفتاح الحل يكمن في إدارة مضيق هرمز”. ويمثل هذا تحولاً جذريًا في الاستراتيجية الاقتصادية لإيران، بالابتعاد عن السعي للاندماج في النظام المالي العالمي الذي يقوده الغرب -وهو ما يراه الجيل الجديد غاية مستحيلة المنال- والتوجه نحو توظيف سيطرة إيران على الجغرافيا الاستراتيجية كأداة للضغط المتبادل.

“ترى طهران في حالة الجمود الراهنة توازن قوى جديدًا” كما أرغمت الحرب طهران على تعميق اصطفافها التكتيكي مع الصين، وبناء علاقة أقرب إلى الشراكة الاستراتيجية. وخلصت القيادة الإيرانية إلى انعدام أي مسار للتطبيع مع الولايات المتحدة، مع استحالة مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية بمفردها.وتعتقد طهران أن بكين ترى في إيران الصامدة حليفًا موثوقًا أثبت جدارته. وعقب لقائه بنظيره الصيني في بكين، صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في مايو قائلاً: ” يعتقد أصدقاؤنا الصينيون أن مكانة إيران الدولية قد تحسنت منذ بدء الحرب. وهناك حقبة جديدة من التعاون بانتظار البلدين”. 

ومواجهةً لمهمة إعادة الإعمار المرتقبة بعد الحرب، يبدي القادة الإيرانيون انفتاحًا غير مسبوق لاعتماد الصين كشريك خارجي رئيسي لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. وشكلت الحملة الإعلامية لطهران خلال الحرب نقطة تحول أخرى عن الماضي؛ إذ أظهر الخطاب الحكومي الإيراني عبر وسائل الإعلام والقنوات الدبلوماسية فهمًا دقيقًا للجمهور العالمي. 

ونشرت السفارات الإيرانية محتوى واسع الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، تضمن مقاطع موسيقية رسومية تجسد مجسمات “ليغو” (Lego)، مما دفع بالنقاش العام إلى ما وراء حدود الشرق الأوسط. ووصل الخطاب الإيراني للحرب إلى جماهير فيالعالم العربي، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وحتى داخل الولايات المتحدة وأوروبا، وأقنعهم بمبرراتها. 

ويعكس هذا التواصل الاستراتيجي المرونة التكنوقراطية ذاتها التي ميزت الحملة العسكرية.ختامًا، أدرك القادة الإيرانيون أن الركود الاقتصادي يشكل التهديد الأكبر استقرارهم السياسي. وكان الدرس المستفاد من الاحتجاجات الأخيرة على مستوى البلاد هو أن المعاناة الاقتصادية تعمل كمضاعف لقوة المعارضة. 

وفور إعلان وقف إطلاق النار في أبريل، سارعت الحكومة إلى المضي قدمًا في حزمة إصلاحات اقتصادية، منهيةً عددًامن برامج الدعم والأنشطة المحمية سياسيًا، وهي خطوة بررتها القيادة بأنها ضرورية لإدارة التداعيات الاقتصادية للحرب. ويوجه الإسراع في الإعلان عن مشاريع إعادة إعمار البنية التحتية -من جسور وسكك حديدية ومستشفيات- إشارة واضحة إلى توجه الحكومة نحو صياغة عقد اجتماعي جديد، يرتكز على الكفاءة المثبتة لا الأيديولوجيا. ولقد استعرض الحرس الثوري قدراته التكنوقراطية علنًا في ميدان المعركة، بيد أن التساؤل الذي يطرحه قادة إيران الجدد على أنفسهم الآن هو مدى قدرتهم على إظهار الكفاءة ذاتها في إدارة الاقتصاد الوطني.

الانعطافة القوميّة

في أعقاب الانتفاضات الشعبية وما تلاها من قمع عنيف للمحتجين في يناير 2026، بدأ الإيرانيون متحدين ضد النظام؛ إذ اتسم المشهد السياسي آنذاك بوجود فجوة عميقة بين سكان يتوقون للتغيير سئموا العزلة ويعانون من وطأة العقوبات الاقتصادية الأميركية، وبين حكومة تفتقر للشعبية وتواجه تضييقًا مستمرًا. 

بيد أن الحرب قد أعادت صياغة تلك المشهدية على نحو معقد. لقد كان حجم الدمار الناجم عن الحرب هائلاً؛ إذ تحولت البنية التحتية العامة، والمصانع، والمدارس، والمستشفيات، والمعالم التاريخية، بل أحياء سكنية بأكملها إلى ركام. 

ومع تواصل القصف الصاروخي والجوي الأمريكي والإسرائيلي، هدد ترامب بتسليح الحركات الانفصالية، وإعادة رسم حدود إيران، وتدمير اقتصادها، ومحو حضارتها.وتضافرت هذه التهديدات العسكرية واللفظية لتثير رد فعل قومي عابر للانقسامات السياسية. ولم يختفِ الغضب الشعبي تجاه النظام، إذ لا تزال مشاعر الحزن والإحباط الاحتقان المتراكم جراء عقود من سوء الإدارة والقمع قائمة، بيد أن المشهد السياسي الذي يعبر عن تلك المشاعر هو ما تغير؛ إذ يُنظر إلى المعارضة الآن من منظور النضال الوطني ضد عدو خارجي يشبه الإيرانيون بالإسكندر الأكبر الذي غزا الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد، أو بالجيوش العربية في القرن السابع الميلادي، أو بالمغول الذين اجتاحوا البلاد بعد ذلك بستة قرون. 

وخلافًا للتوقعات الأمريكية والإسرائيلية، لم تفضِ الحرب إلى اندلاع تظاهرات في الشوارع. وكلما طال أمد الحرب، بدأ النظام أقل تعرضًا لتهديد الانتفاضات الشعبية؛ إذ تعبأ المجتمع الإيراني إلى جانب الدولة لا ضدها، ونُظمت مسيرات يومية في مختلف أنحاء البلاد، وتشكلت سلاسل بشرية لحماية محطات الطاقة، وتجمع المواطنون فوق الجسور المهددة بالقصف. وبناءً على ذلك، تلاشت الفجوة الحادة بين الدولة والمجتمع التي اتسمت بها إيران في يناير -لا عبر الإقناع أو القمع، بل نتيجة التجربة المشتركة في معايشة القصف ومعاينة دمارها.ووفقًا لتحليل نشرته وكالة “بلومبرغ” (Bloomberg)، فإن ثلثي الأهداف التي قُصفت في طهران قبل وقف إطلاق النار كانت مبانٍ سكنية وتجارية ومدنية أخرى. وفي مقابلات متعددة، وصف الإيرانيون دوي الانفجارات التي كانت تهز أجسادهم ليلاً ونهارًا تاركةجروحًا نفسية غائرة. وبالنسبة لهم، لم تعد القوات المسلحة الإيرانية أداة للقمع بل درعًا للدفاع. وجسد هتاف تردد في المسيرات المؤيدة للضربات الصاروخية والمسيرة الإيرانية هذا التحول في المزاج الشعبي: “اضرب، فإن ضرباتك صائبة”. وكما عبر الفيلسوف والمعارض الإيراني ” محمد مهدي أردبيلي ” في طهران خلال الأسبوع الخامس من الحرب: “في هذه اللحظة التاريخية، تندمج الجمهورية الإسلامية وإيران في كيان واحد.وإذا سقطت الجمهورية الإسلامية، تسقط إيران”.

وامتد هذا الشعور إلى كيفية إدارة الحرب داخليًا؛ إذ لاحظ الإيرانيون، بكثير من المفاجأة أحيانًا، غياب أي نقص في الغذاء أو الوقود بعد أسابيع من القصف والحصار البحري، مع استمرار تفاصيل الحياة اليومية دون انقطاع يذكر. وصرح أحد سكان طهرانقائلاً: “باستثناء القصف، لم نشعر بأننا في حالة حرب. ولو كانت الجمهورية الإسلامية تدير المجتمع دائمًا بهذه الكفاءة، لما كانت لدينا هذه الأعداد من الشكاوى المعتادة ضدها”. 

ولا تعد هذه الملاحظات تأييدًا للنظام، بل تعكس تحولاً في كيفية تقييم الإيرانيين لقادتهم. وقد ساهم انقطاع الإنترنت الذي فرضته الحكومة في تعزيز هذه الديناميكية؛ فعندما حجبت السلطات تدفق المعلومات الخارجية كإجراء دفاعي ضد العمليات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية، واجه الإيرانيون ذلك بضيق، لكن لم يكن لديهم خيار سوى اللجوء إلى شبكة الإنترنت المحلية والإعلام الداخلي. وأدى هذا الحجب إلى تحييد قنوات المعارضة في الخارج ووسائل التواصل الاجتماعي الموجهة لتعبئة الاحتجاجات، مفسحًا المجال لنوع آخر من النقاش الوطني. وتأسست رؤى جديدة وأكثر تعقيدًا، شملت دور الحرس الثوري، والتهديدات الأمنية التي تواجه إيران، وما بنته البلاد و يتعين عليها الدفاع عنه. وفي هذا السياق، صرح أحد ناشطي المجتمع المدني الذي تعرض للاستجواب مرارًا بسبب نشاطه: ” لطالما تجاهلت أو استبعدت ما يقوله الحرس الثوري أوالنظام الحاكم بشأن إسرائيل أو الولايات المتحدة، بيد أنني في الأسابيع الماضية لم أعد أملك سوى الوصول إلى تطبيقات المراسلة والأخبار الإيرانية المحلية، يتعين علينا تأمل مواقفهم ورؤية واقع التعرض للهجوم اليومي”. وكما ذكر أحد الأساتذة الجامعيين:” لقد دخلت البلاد حربًا وطنية، وبناءً على ذلك يجري تشكيل هوية جديدة”.

“هل أنت إيراني بما يكفي؟”

سعت الجمهورية الإسلامية دائمًا إلى إيجاد عقد اجتماعي مع مواطنيها، بيد أن شروطه تغيرت بشكل كبير عبر تاريخها. ففي السنوات الأولى، استند هذا العقد إلى التحول الثوري وإعادة توزيع الثروة. وفي التسعينيات، تحول نحو النمو الاقتصادي والانفتاح الاجتماعي المحدود مقابل الركود السياسي. وقبل عقدين من الزمن، وجه الرئيس ” محمود أحمدي نجاد” عائدات النفط نحو الفقراء مقابل الولاء للأيديولوجيا الرسمية. ووعد خلفه، ” حسن روحاني ” بالنمو الاقتصادي عبر الاتفاق النووي ورفع العقوبات. ولقد فشلت هذه المساعي كلها في بناء علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع، بدرجات متفاوتة ولأسباب متباينة.

أما المعروض اليوم فهو مقايضة قومية تكنوقراطية، ترتكز فيها شرعية الدولة على قدرتها المثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة إعمارها؛ وهي شروط ذات طابع قومي الإسلامي. وتعمل وسائل الإعلام الرسمية على إنتاج محتوى يطبع صور النساء المحجبات وغير المحجبات جنبًا إلى جنب، ويصور الهوية الإيرانية كإرث ثقافي لا ديني بحت،متوجهًا نحو فئات المجتمع التي كانت قد رفضت الجمهورية الإسلامية تمامًا، مثل الشباب والطبقة الوسطى الحضرية.

ولا يعد هذا التوجه تحولاً ديمقراطيًا؛ إذ يستمر النظام في ممارسة القمع الشديد ضد المعارضة السياسية. بيد أن الدولة تقر الآن بحاجتها إلى قاعدة اجتماعية تتجاوز ما يمكن للأيديولوجيا الإسلامية وحدها توفيره. وتدريجيًا، تبدو الجمهورية الإسلامية أقل شبهًا بالدولة الثيوقراطية وأقرب إلى نموذج الدولة السلطوية القومية اليمينية. ورغم استمرار الأيديولوجيا الإسلامية، فإنها تظل خاضعة لضرورات التماسك القومي. ولم يعد معيار الولاء السياسي يعتمد على سؤال “هل أنت مسلم بما يكفي؟” بل “هل أنت إيراني بما يكفي؟”.

 ورغم بقاء دور المسجد، فإن الرمز السياسي المهيمن على القلائد والشارات التي يرتديها الشباب والكهول اليوم هو خارطة البلاد. وتجتذب التجمعات الحكومية للدفاع عن الوطن حتى منتقدي النظام، والذين دفع بعضهم أثمانًا باهظة لمعارضتهم في الماضي؛ إذ غدت هذه المحافل نقاط ارتكاز لقومية متمحورة حول صون الحضارة الإيرانية والاحتفاء بالصمود والكرامة في مواجهة قوة عسكرية غاشمة.وتدرك القيادة أن هذه اللحظة فريدة وقد تكون عابرة؛ إذ إن المجتمع ذاته الذي حمى محطات الطاقة سيعود للمطالبة بحقوقه فور تراجع التهديد المباشر. ولم تتبدد مشاعر الغضب الشعبي جراء القمع وسوء الإدارة الاقتصادية والتعامل مع النساء والأقليات، بل أرجأت ظروف الحرب فحسب. 

وتمثل التنازلات التي قدمتها الدولة في القضايا الاجتماعية -مثل التغاضي الفعلي عن فرض الحجاب، والتسامح مع الحفلات الموسيقية وقيادة النساء للدراجات النارية- محاولة لترسيخ الوحدة الوطنية التي فرضتها الحرب قبل أن تتبدل الظروف السياسية. ومع ذلك، يظل التساؤل قائمًا حول ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لإحداث تغيير جوهري في العلاقة بين الدولة والمجتمع و” تعبأ المجتمع الإيراني إلى جانب الدولة لا ضدها” وبالنسبة لحكام إيران، فإن معالجة المشكلات الاقتصادية ستكون أمرًا حتميًا فور انتهاء الحرب. 

وتفترض واشنطن أن طهران لا تزال مهتمة بالتفاوض لرفع العقوبات، بيد أن الحرس الثوري لا يعول على العمل الدبلوماسي؛ إذ لم يعد يؤمن برغبة الولايات المتحدة في رفع العقوبات مطلقًا. وعوضًا عن ذلك، يسعى للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، ويرسخ مكاسب إيران، ويمهد الطريق لعائدات اقتصادية من فرض رسوم على الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

وتفسر واشنطن هذا الموقف الجديد بوصفه عنادًا ناتجًا عن الجمود الأيديولوجي والصراع الفصائلي في طهران. وفي هذا الصدد، صرح وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” في أبريل قائلاً: ” للأسف، فإن المتشددين الذين يملكون رؤية كارثية للمستقبل هم من يمسكون بزمام القوة المطلقة في ذلك البلد”. وأضاف: “إن مفاوضينا لا يتفاوضون مع الإيرانيين فحسب، بل يتعين على هؤلاء الإيرانيين بعد ذلك التفاوض مع إيرانيين آخرين لتحديد ما يمكنهم الاتفاق عليه، وما يمكنهم تقديمه، وما هم مستعدون للقيام به، وحتى من هم على استعداد للقائه”. 

وأكد نائب الرئيس “جي دي فانس ” هذا المعنى في مايو قائلاً: “ربما لا يملك الإيرانيون أنفسهم رؤية واضحة للاتجاه الذي يريدون سلوكه، فهم يمثلون أيضًا بلدًا مجزأً”. بيد أن روبيو وفانس يجانبها الصواب؛ إذ لا يعكس نهج طهران المتحدي جمودًا أيديولوجيًا أو صراعًا فصائليًا داخليًا، بل يعبر عن ثقة إيران المستجدة والدروس المستفادة من الحرب ومن جولات المفاوضات السابقة. ويدرك قادة البلاد سعي الولايات المتحدة لتحقيق ما عجزت عنه في ميدان المعركة عبر طاولة المفاوضات، وأن واشنطن لاتبحث عن اتفاق بل عن استسلام إيراني. 

ولقد قطعت الضربات الأمريكية والإسرائيلية مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة مرتين سابقًا، في يونيو الماضي وفي فبراير.وعقب انهيار محادثات إسلام آباد في 12 أبريل، فرضت واشنطن فورًا حصارًا بحريًا، تلاه مطلب آخر باستسلام إيران دون شروط. وفي المقابل، يرى القادة الإيرانيون أنهم قد كسبوا الحرب بالفعل، وليسوا على استعداد للتنازل عن المكاسب التي حققوها أو العودة إلى قفص الاحتواء الذي عاشوا فيه قبل الحرب. وتصوغ هذه الثقة بالنفس-المرتكزة على الإيمان بأن الحرب قد عززت قوة إيران ولم تضعفها- رؤيتهم للعلاقات الدولية، وتشكل ركيزة أساسية للشرعية التي ينشدونها داخليًا. ومن ثم، يجب أن تعكس تطلعاتهم الدبلوماسية ما حققه الصمود الإيراني في الحرب.

عقيدة الجبهات المتعددة

 إن التحول القومي الواضح لإيران داخليًا لا يعني تخلي طهران عن حلفائها الإقليميين؛إذ لن تعيد النظر جذريًا في علاقاتها مع “حزب الله” في لبنان، والفصائل الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن. بيد أنها ستدير هذه العلاقات بانضباط استراتيجي أكبر وبراغماتية واقعية بعيدة عن الرومانسية الأيديولوجية. ولن تضحي القيادة الإيرانية الجديدة بمصالح بلادها في سبيل التضامن الثوري، بل ستوظف هذه التحالفات كجزء من استراتيجية إقليمية متماسكة مصممة للحفاظ على العمق الاستراتيجي لإيران في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المستمرة. وخلص الاستراتيجيون الإيرانيون إلى ارتكاب خطأ إبان حرب غزة، تمثل في إتاحة الوقت لإسرائيل للاستفراد بأطراف “محور المقاومة” الواحد تلو الآخر؛ إذ جاءت الضربات الأمريكية الإسرائيلية العام الماضي نتاجًا مباشرًا لغياب التنسيق. وبناءً على ذلك، وتفاديًا لهذا الخطأ في فبراير، سارعت إيران إلى تفعيل جبهتي “حزب الله” في لبنان والفصائل العراقية في آن واحد، مما أوجد جبهة ثانية لإسرائيل في لبنان، ووسع نطاق الحرب إقليميًا، وأجبر الولايات المتحدة على إخلاء معسكر فيكتوري في العراق؛ وهو ما تراه طهران تأكيدًا لنجاعة عقيدة الجبهات المتعددة. ولا يحافظ القادة الإيرانيون على شبكتهم الإقليمية بدافع الرغبة الأيديولوجية في التمدد، بل انطلاقًا من تقدير مفاده عجز إيران عن امتلاك سيادة كاملة طالما واجهت تهديدات عسكرية وتضييقًا اقتصاديًا من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبرهن إصرار إيران على ربط المفاوضات بوقف إطلاق النار في لبنان، واشتراطها أن ينهي الاتفاق النهائي الحرب على كافة الجبهات عاكسًا مكاسبها الاستراتيجية، على هذا المنظور الشامل للدفاع الإقليمي. 

وبحسب التحليل الإيراني، فإن السياسة الأمريكية والإسرائيلية تهدف إلى فرض الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط، وهو هدف يستلزم إضعاف إيران وتفتيتها. وبعد أن كان قطاع من الإيرانيين يرى في “محور المقاومة” هدرًا لثروات البلاد في سبيل قضية أيديولوجية، بات شريحة أوسع من الشعب تنظر إليه اليوم كأداة للدفاع الوطني. ويأتي سعي إيران لمنع الولايات المتحدة من إعادة بناء منشآت الرادار المتضررة في الخليج العربي تعبيرًا آخر عن المنطق ذاته؛ وهو جهد مدروس لإضعاف بنية الإنذار المبكر التي ارتكزت عليها الهيمنة العسكرية الأمريكية في مياه تعتبرها إيران عمقًا استراتيجيًا لها.جمهورية إسلامية جديدة لقد كانت الحرب بمثابة البوتقة التي صهرت نسخة جديدة للجمهورية الإسلامية، وشهدت التحول الجيلي الأكبر منذ تأسيسها؛ إذ لم تعد القوة تتركز في أيدي الجيل المؤسس، بلبات الجيل الثاني يدير الشؤون العسكرية والسياسية، في حين يتولى الجيلان الثالث والرابع ملفات الإعلام والتواصل الدولي.

وفي سنواتها الأولى تحت قيادة الخميني، كانت الجمهورية الإسلامية دولة ثورية:تتمحور حول التحول الأيديولوجي، وتستمد شرعيتها من الكاريزما الشخصية للمرشد الأعلى سعيه لتطبيق الأحكام الإلهية، وتوجه سياستها الخارجية نحو تصدير الثورة. وبعد وفاة الخميني عام 1989، ومرورًا بحقبة الإصلاحات ثم ترسيخ سلطة التيار المتشدد تحت قيادة خامنئي، تحولت الجمهورية إلى دولة ما بعد الثورة، تواجه موازنة مستمرة بين ايديولوجيتها التأسيسية ومتطلبات الحكم؛ إذ أدارت القيادة مجتمعًا متشككًا عبر مزيج من القمع والزبائنية والانفتاح المحدود، ورأت في مقاومة النفوذ الأمريكي ضرورةمناهضة للإمبريالية، بيد أنها ظلت في المقام الأول جمهورية إسلامية يحكمها جيل التأسيس وتوجهها صراعاته الداخلية.أما الجمهورية التي ولدت من رحم الحروب الأمريكية الإسرائيلية وتتحدد معالمها بالقومية لا الأيديولوجيا، وبفن إدارة الدولة لا الثورة، وبتأثير الكفاءة التكنوقراطية لطبقة الضباط الجديدة لا بالكاريزما الدينية لرجال الدين. 

وفي سياق مقارن، تبدو أقرب إلى الدول القومية ذات القيادة العسكرية التي برزت في القرن العشرين -مثل تركيا في عهد الكماليين المتأخرين، أو مصر في عهد جمال عبد الناصر- حيث استمرت الأيديولوجيا لكنها أخضعت للمصلحة الوطنية ومتطلبات سلطة الدولة. بيد أن هذا التحول عن الجمود العقائدي نحو براغماتية الدولة لا يجعل الجمهورية الإسلامية أكثر لينة؛ إذ غالبًا ما تتسم الدول الأمنية القومية بالقسوة تجاه مواطنيها والسلوك المزعزع للنظام الدولي. وستظل الجمهورية الإسلامية الناشئة سلطوية للغاية، بيد أن التصنيفات التقليدية التي استخدمها المحللون الغربيون لوصف فصائلها -مثل المحافظين مقابل المعتدلين، أو العقائديين مقابل الإصلاحيين- تفقد دقتها أكثر من أي وقت مضى. ويتشكل ترتيب أولويات الجمهورية الإسلامية الجديدة وأساليب تحقيقها عبر الخبرات المحددة لحربها مع إسرائيل والولايات المتحدة: وما تكبدته إيران من خسائر، وما اكتسبته قيادتها من ثقة، وما فرضته المعارك من عقد اجتماعي جديد غدا ضروريًا وممكنًا في آن واحد.

المصدرForeign Affairs
شارك الموضوع