( نشرت هذه المادة بعنوان : The Strong Do What They Can—and Suffer What They Must للكاتب : Jonathan Kirshner في مجلة : Foreign Affairs ونعيد هنا ترجمة كاملة © للمادة الأصلية )
ثوسيديديس وأمريكا، عن الطغيان وميلاد النهايات
يبدو للكثيرين في هذه الأيام أن العالم غابةٌ لا تدين إلا بقانون واحد . فمنذ عودته إلى منصبه في عام 2025، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) بالاستعراض المفرط للقوة الأمريكية -من خلال ضرب مهربي المخدرات المزعومين في منطقة البحر الكاريبي، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (Nicolás Maduro)، وقصف إيران، بل وحتى تهديد سيادة الحلفاء- وإنما جعل من هذا السلوك مبدأً موجهاً لسياساته. وقد وصف ترامب عملية اعتقال مادورو بأنها إثبات وتأكيد على “القوانين الحديدية التي لطالما حددت ملامح القوة العالمية”. وفي سياق مماثل، أكد نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، ستيفن ميلر (Stephen Miller)، في يناير (كانون الثاني) أن العالم “محكوم بالقوة” و”تُسيّره القدرة (على الفعل)” وأن “هذه هي القوانين الحديدية الحاكمة للعالم منذ الأزل”. وقد رأى المراقبون في هذه التصريحات الفجة أصداءً لأطروحات “ثوسيديديس” (Thucydides)، الأرستقراطي الأثيني القديم الذي يُعد غالبًا أول من صاغ العقيدة الواقعية. إذ يتضمن كتابه العمدة “الحرب البيلوبونيسية” (The Peloponnesian War) -الذي يروي فيه فصول الصراع المأساوي المرير الذي دام عقودًا بين أثينا وإسبرطة في القرن الخامس قبل الميلاد- تلك العبارة الشهيرة: ” الأقوياء يفعلون ما يسعهم فعله، والضعفاء يتجرعون ما يُفرض عليهم” .
وتأتي هذه العبارة رائجة الانتشار ضمن قسم مهم من النص يُعرف بـ ” السجال الميلي” (Melian Dialogue)، حيث مارس ممثلو أثينا ترهيبًا وضغوطًا شديدة على مبعوثي جزيرة ميلوس. وبعد أن أخفق الأثينيون في إقناع سكان ميلوس بالاستسلام غير المشروط، أقدموا على قتل جميع رجال الجزيرة واستعباد نسائها وأطفالها . ولطالما استُشهد بنص ثوسيديديس حول ميلوس كدليل على أن العالم لا يحكمه شيء ذو اعتبار سوى القوة وممارستها، وكبرهان على أن هذا الجنرال والمؤرخ والفيلسوف الأثيني اللامع كان يؤمن بذلك شخصيًا . وعلى مدى أجيال متعاقبة، كُلِّف طلاب العلاقات الدولية بقراءة هذه المقتطفات المجتزأة من سياقها من مؤلَّفه الضخم، وقيل لهم إن هذا هو الدرس الفعلي لثوسيديديس . واليوم، نرى فئة واسعة ومتنامية من المعلقين يحتفون بما يُوصف بـ “المنعطف الثوسيديديسي” في السياسة الخارجية الأمريكية (أو يندبونه) ؛ ففي مقال نُشر في يناير تحت عنوان “كيف كسب ترامب دافوس” (How Trump Won Davos)، استدعى المؤرخ نيل فيرغسون (Niall erguson) صراحةً “السجال الميلي” للإشادة بانتصار ترامب بوصفه واقعيًا على شاكلة ثوسيديديس، مؤكدًا أن “الواقعيين حققوا نصرًا حاسمًا” في ميلوس .
بيد أن هذا الفهم للسجال ومؤلفه على حد سواء يقلب المعنى المراد رأسًا على عقب؛ فثوسيديديس يشير مرارًا وتكرارًا إلى فكرة أن الأقوياء يمتلكون الحرية لفعل ما يشاؤون، لكنه لا يتبناها على الإطلاق؛ بل على النقيض من ذلك، فإن القراءة المتأنية لكتاب ” الحرب البيلوبونيسية ” تشي برؤية مغايرة تمامًا. إذ إن من بين الدروس الجوهرية المستقاة من ثوسيديديس هو أن طموح الأقوياء المفرط قد يؤول بهم إلى هلاكهم وخراب ما بنوه بأيديهم . فمباشرة بعد أن يروي ثوسيديديس الكلمات المصيرية للمبعوثين الأثينيين وما تلاها من دمار لحق بميلوس، يستفيض في وصف الحملة الكارثية التي شنتها أثينا على صقلية، وهي المغامرة التي أدت في نهاية المطاف إلى هزيمة أثينا وانتصار إسبرطة. ومن هذا المنطلق، لا يُمثل السجال الميلي دليلاً على الفضيلة الكبرى للقوة في العلاقات الدولية، بل هو تجسيد حي للصلف والخيلاء اللذين يسبقان السقوط المدوي .
لقد صاغ عالم السياسة غراهام أليسون (Graham Allison) المصطلح الشهير ” الفخ الثوسيديديسي ” (Thucydides trap) للإشارة إلى الديناميكية الكامنة في الحرب البيلوبونيسية، متمثلة في كيفية تفاقم التوترات بين قوة صاعدة وقوة قائمة بما يؤدي حتمًا إلى اندلاع صراع بينهما. غير أن فخ ثوسيديديس الحقيقي مغاير لذلك تمامًا؛ فالدرس الحاسم للكتاب لا يكمن في تصوير كيف وجدت أثينا وإسبرطة نفسيهما تنجران وهما غافلتان إلى حرب لم يردها أي منهما ولم يستوعب أبعادها إذ يوضح ثوسيديديس بإسهاب وتفصيل أن الطرفين دخلا غمار هذا الصراع بوعي كامل، فضلاً على ما سبق، فلم تكن بداية تلك الحرب في نظره فخًا بأي حال من الأحوال، فقد أيد ثوسيديديس بدء الأعمال العدائية والاستراتيجية الدقيقة التي وضعها بيريكليس (Pericles)، الزعيم الأثيني الذي حشد الرأي العام لدعم مطلبه بشن الحرب على إسبرطة. بيد أن الكارثة الحقيقية، والفخ الفعلي، تجليا بعد سنوات عديدة، حين تخلت أثينا عن حكمة بيريكليس ورصانته وانقادت وراء طموح متهور أعمى، تَبَدَّى في أبشع صوره في المحاولة الطائشة والضالة لغزو صقلية.
إن المأساة المركزية لـ “الحرب البيلوبونيسية” هي قصة تنامي الصلف والغطرسة الأثينيين وما ترتب عليهما من عواقب وخيمة ومصيرية. وحريٌّ بـ “أثينيّي العصر الحديث”، الذين يتبجحون بفضيلة القوة المطلقة، أن يتدبروا تحذيرات ثوسيديديس ويتعظوا بها إن أرادوا تجنب جلب الكوارث على أنفسهم.
الحقيقة الكامنة في ثنايا الرواية
يقدم السجال “الميلي” بالفعل دروسًا بالغة الأهمية، ولكن شريطة فهمه في سياق كتاب “الحرب البيلوبونيسية” بالطريقة التي صِاغها المؤلَّف. ويتطلب ذلك الإحاطة بجميع جوانب هذا العمل بأكمله، وليس مجرد الاكتفاء ببضع جمل منتقاة، فضلاً عن سبر أغوار منهج ثوسيديديس المتقن والدقيق والشامل. ففي تقديره، مرَّ هذا الصراع الذي استمر 27 عامًا (431-404 ق.م) بين أثينا وإسبرطة بثلاث مراحل متميزة:
عقد أول من الصراع المباشر، تلاه عهد فوضوي متوتر دام سبع سنوات من المناوشات المستمرة والمناورات لتحسين المواقع، ثم عشر سنوات أخرى من الحرب الضروس انتهت باستسلام أثينا غير المشروط. وعلى الرغم من أن ثوسيديديس عاش طويلاً بما يكفي ليشهد نهاية الحرب، إلا أنه لم يتمكن -على ما يبدو- من إتمام روايته التاريخية، إذ توقفت سرديته فجأة عند أحداث عام 411 قبل الميلاد .
لقد أدرك ثوسيديديس بحدسه الفذ أن الحرب البيلوبونيسية ستكون ذات عواقب جسيمة، لذا عكف -مستغلاً تفرغه الإجباري بعد إعفائه من قيادته العسكرية ونفيه عام 424 قبل الميلاد عقابًا له على إخفاق عسكري وقع تحت إمرته- على تدوين تفاصيلها لتكون “ذخرًا خالدًا للأجيال القادمة”. وقد بذل جهودًا مضنية واستثنائية لتحقيق الدقة والموضوعية، وهما صفتان يمكن السعي لامتلاكهما بكل تأكيد، لكن دون القدرة على بلوغهما بصورة مطلقة. وكان عليه، في بعض الأحيان، الفصل بين روايات متضاربة لأحداث لم يشهدها بنفسه. كما أوضح بشأن الخطابات العديدة الواردة في كتابه قائلاً:
“بعض هذه الخطابات سمعتها بنفسي، والبعض الآخر استقيته من مصادر شتى؛ وبما أنه كان من الصعب في كل الأحوال حفظها كلمة بكلمة في الذاكرة، فقد جرت عادتي على جعل المتحدثين يقولون ما تقتضيه المقامات المختلفة من وجهة نظري، مع الالتزام التام -قدر الإمكان- بالمعنى العام لما قالوه فعليًا” .
ويبدو من الإنصاف القول أنّ الموضوعية كانت غاية ثوسيديديس الصادقة وسعيه الدؤوب. بيد أنه كان يمتلك -حتمًا وبطبيعة الحال- وجهة نظر خاصة، ودروسًا أراد إيصالها، ولم يعمد إلى إبراز هذه النقاط عبر التلاعب بالوقائع، بل من خلال انتقاء أساليب محددة لقص السردية التاريخية. وكما عبر عن ذلك أول مترجم إنجليزي كبير لأعماله، توماس هوبز (Thomas Hobbes)، فإنه على الرغم من أن ثوسيديديس لا يتوقف أبدًا “ليلقي محاضرة أخلاقية أو سياسية على هامش نصه الخاص”، إلا أن “السرد نفسه يلقن القارئ دروسه الخفيّة” . ويشاطر دارسو ثوسيديديس المحدثون هذا الرأي .
وكما أوضحت الباحثة الفرنسية في الدراسات الكلاسيكية، جاكلين دي روميلي (Jacqueline de Romilly)، فإن ثوسيديديس “يسعى باجتهاد حثيث لبلوغ موضوعية علمية كاملة”، ولكنه مع ذلك “يقوم بخيارات مستمرة” تظهر فيها “بصمته التدخلية بالغة الأثر” .
فضلاً عن ذلك، يرجح ثوسيديديس كفة ميزانه السردي ببساطة عبر حجب بعض المعلومات ويتعين على القراء الانتباه بدقة للمواضع التي يختار فيها الإسهاب والتفصيل أو الاختصار والإيجاز . ففي بعض الأحيان، يختزل عامًا كاملاً من القتال الشرس في فقرات وجيزة، بينما يفصل في أحداث أخرى بإسهاب شديد، حتى وإن لم تكن لها تداعيات استراتيجية مباشرة تذكر على مسار الحرب . ويوظف ثوسيديديس تكتيكًا يطلق عليه أحد الباحثين اسم “التبطئة السردية القصوى” (extreme narrative deceleration) لإضفاء معانٍ أعمق على أحداث بعينها، وبذلك يصوغ بذكاء وحذاقة العِبر التي يرنو إلى غرسها في وجدان القارئ .
غموض المسألة الميلية
ويُعد السجال الميلي نموذجًا دراميًا جليًا على “التبطئة السردية القصوى” عند ثوسيديديس . ورغم كثرة الاستشهاد به، فإن الميزة الأكثر وضوحًا فيه -والتي يندر الالتفات إليها- هي غياب أي مبرر موضوعي مقنع يدفع الكاتب للتركيز على هذا الحدث بالتحديد وإطالة السرد فيه. ففي السنة السادسة عشرة من الحرب (خلال تلك الفترة الانتقالية الهشة التي كانت فيها أثينا وإسبرطة في حالة سلم رسميًا)، عاد الأثينيون إلى هذه الجزيرة الصغيرة المتواضعة في بحر إيجة وطالبوا أهلها بالاستسلام أو الإبادة التامة . وكانت ميلوس، التي تُعد حليفًا رسميًا لإسبرطة دون أن تنخرط فعليًا في القتال، تأمل أن تُترك لشأنها، والتمس ممثلوها من الأثينيين السماح لهم بالبقاء على حياد هادئ .
وفي تلك اللحظة، يوقف ثوسيديديس سرد الأحداث فجأة لينقل المداولات التي جرت بين فئة قليلة من الأثينيين والميليين . ويتخذ هذا السجال شكل حوار متبادل يفند فيه كل طرف حجج الآخر ويطرح براهينه بالتناوب. ويُعد هذا الحوار الوحيد من نوعه في هذا العمل بأكمله، ويمتد لعدة صفحات، يحذر الميليون خلالها من أن الأثينيين قد يندمون على تدميرهم، في حين يصر الأثينيون على الخضوع الكامل والمطلق . ويسود سلوك الأثينيين في الحوار الصلف والتبجح بنبرة متعالية، ويبدون غير مكترثين البتة باحتمال أن ترتد عليهم همجيتهم وبالاً في المستقبل. إذ حثوا سكان الجزيرة على الاستسلام لينجوا بأنفسهم ويعيشوا كتابعين، بينما اختار الميليون -على الأقل من شارك منهم في المفاوضات المغلقة- خيار المقاومة . وبعد فترة وجيزة (حيث تبين أن غزو ميلوس ليس بالسهولة التي توقعوها)، تمكن الأثينيون من إخضاع الجزيرة . “فأذعن الميليون للأثينيين خاضعين لإرادتهم، فما كان من الأثينيين إلا أن أعدموا جميع الرجال البالغين الذين أُسروا، وباعوا النساء والأطفال في أسواق النخاسة، ثم أرسلوا لاحقًا خمسمائة مستوطن ليعمروا الجزيرة ويسكنوها ” .
وتقدم خاتمة هذا الحدث موعظة بليغة تتسم بالوضوح الشديد الذي يتميز به أسلوب ثوسيديديس. لكنه لا يزال من غير الواضح إطلاقًا سبب إيلاء ثوسيديديس كل هذا الاهتمام البالغ بميلوس؛ فحملة ميلوس لم تكن ذات أثر يُذكر على مسار الحرب ونتيجتها النهائية. “إن الحروب الطويلة من شأنها أن تقوض كرامة المجتمعات وتماسكها الأخلاقي.” كما أن قضية ميلوس لا تُشكل مثالاً فريدًا واستثنائيًا على فكرة أن “الأقوياء يفعلون ما يسعهم فعله، والضعفاء يتجرعون ما يُفرض عليهم“. فقد لاحظ العديد من علماء الكلاسيكيات أن هذه المقولة تتردد في مواضع عدة من الكتاب . فقبل ستة عشر عامًا من هذا الحدث، دافع الأثينيون عن سلوكهم في خطاب ألقوه أمام الإسبرطيين مستحضرين المبدأ نفسه: “لقد قضى القانون دائمًا بأن يخضع الأضعف للأقوى” .
ولا يعد السجال الميلي سوى مثال واحد من بين أمثلة عدة يزخر بها مؤلف ثوسيديديس الضخم، تؤكد أن العالم يعيش في حالة من الفوضى الدولية وغياب سلطة عليا ناظمة، وأنه لا توجد ضمانات تكبح جماح سلوك الآخرين، وأن الفظائع المروعة -بما في ذلك إبادة الشعوب- تظل خيارات مطروحة دومًا.
وفي كتابه “الحرب البيلوبونيسية”، تنتشر هذه الأهوال في كل حدب وصوب، ولطالما توقف الكاتب طويلاً ليسرد تفاصيلها . ففي السنة الخامسة للحرب، عندما استسلمت بلاتيا (Plataea) لإسبرطة، دار نقاش طويل قدم فيه البلاتيون مبررات وحججًا قوية تلتمس الرحمة والصفح . بيد أن الإسبرطيين بدلاً من ذلك، ذبحوا الرجال، واستعبدوا النساء، ودمروا المدينة عن بكرة أبيها، ووطّنوا سكانًا جددًا في أراضيها . ولم يكن ذلك بدافع ضغينة خاصة تكنها إسبرطة لبلاتيا، بل أقدموا على فعلتهم تلك “إرضاءً للتيبين (Thebans) الذين كانوا يمثلون حليفًا ذا فائدة كبرى في المجهود الحربي” . وفي العام التالي، يصف ثوسيديديس مجزرة أخرى، ويبدي “دهشته الشديدة” من حجم الخسائر البشرية، مشيرًا إلى أن عدد القتلى “بدا مبالغًا فيه وغير متناسب إطلاقًا مع حجم المدينة لدرجة تجعله عصيًا على التصديق” . وتكثر الأمثلة المماثلة في ثنايا الكتاب .
وثمة ملاحظتان إضافيتان تزيدان من غموض الدوافع التي حدت بثوسيديديس لتوثيق هذا السجال الميلي . أولاً، قد لا تكون كلمة “توثيق” أو “نقل” هي الأدق للتعبير عما فعله الكاتب هنا. فقد أوضح ثوسيديديس أنه كان يعمد في كثير من الأحيان إلى صياغة اللقاءات والمواجهات بالطريقة التي يتوقع أنها حدثت بها فعلاً، ويقينًا فإن
هذا الحوار يندرج ضمن هذه الحالات. فبينما يذكر عادةً هوية الشخصيات التي تلقي الخطابات الكبرى، تظل الشخصيات الأثينية المشاركة في هذا السجال مجهولة الهوية، ومن المرجح أن الميليين الذين خاضوا غمار هذا الحوار لم يبقَ منهم أحد على قيد الحياة ليروي فصول ما جرى . ورغم احتمال تلقي ثوسيديديس لاحقًا روايات منقولة عن تلك الوقائع، إلا أن الحوار يعكس قدرة الكاتب على الإبداع والصياغة الخيالية بقدر ما يعكس أمانته في التدوين والتوثيق .
والأمر الأكثر إثارة للحيرة والدهشة هو أن الأثينيين قد ارتكبوا الفظائع نفسها قبل غزو ميلوس، غير أن ثوسيديديس في تلك الحادثة السابقة لم يخصص لها سوى جملة يتيمة ومقتضبة. فقبل خمس سنوات من تدمير ميلوس، قمع الأثينيون بوحشية تمردًا في مدينة سكيوني (Scione) التي خرجت عن طاعتهم. حيث أشار ثوسيديديس باختصار قائلاً:
“نجحت أثينا في إخضاع سكيوني، وأعدمت الذكور البالغين، واستعبدت النساء والأطفال، ومنحت أراضيها للبلاتيين ليستوطنوها ويقيموا فيها” . ومع ذلك، لم يجرِ أي نقاش أو سجال موثق في تلك الحالة السابقة . ومن الواضح أن السجال الميلي كان يكتسي أهمية بالغة واستثنائية بالنسبة لثوسيديديس، غير أن القارئ العابر لكتاب “الحرب البيلوبونيسية” قد يفشل في إدراك كنه هذا الاهتمام ومغزاه .
انحلال أثينا الأخلاقي والسياسي
فمن ناحية أولى، يكشف هذا الحدث عن القلق الدائم الذي يعتري ثوسيديديس بشأن هشاشة الحضارة الإنسانية، وكيف يمكن للحروب طويلة الأمد أن تعصف بكرامة المجتمعات وقيمها الأخلاقية. إذ يستفيض الكاتب في تبيان أحداث مأساوية من قبيل الانحدار السريع نحو البربرية والهمجية خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 427 قبل الميلاد في جزيرة كورفو (Corfu) الحالية، أو حالة “الانفلات والفجور الأخلاقي المنافي للقانون” التي تفشت خلال تفشي الوباء في أثينا، فضلاً عن تفاصيل المجزرة الدموية العشوائية التي ارتكبها التراقيون في ميكاليسوس (Mycalessus) رغم عدم أهميتها الاستراتيجية. حيث كتب واصفًا ذلك: “لقد نهبوا البيوت والمعابد وذبحوا السكان دون شفقة بصغير أو كبير، بل قتلوا كل من صادفوه تترى، نساءً وأطفالاً، وحتى الدواب وكل كائن حي تراءى لأعينهم”. “وقد خيمت الفوضى العارمة في كل مكان وحصد الموت الأرواح بشتى الأشكال؛ وعلى وجه الخصوص، اقتحموا مدرسة لتعليم الصبية كانت الأكبر في تلك الأنحاء، وكان الأطفال قد دلفوا إليها لتوهم، فذبحوهم عن بكرة أبيهم” .
ويُظهر سلوك أثينا تجاه ميلوس مدى التشويه الأخلاقي الذي أصاب المجتمع الأثيني، ولا سيما عند مقارنة هذا السلوك بقضية ميتيليني (Mytilene) قبل ما يربو على عقد من الزمان. ففي تلك الواقعة السابقة، أقدمت ميتيليني -التي كانت حليفاً ذا حظوة ومكانة كبرى لدى الأثينيين- على خيانة عظمى عبر تواصلها مع إسبرطة سعياً للانشقاق والانضمام لمعسكرها في الحرب. وبعد أن أحبطت أثينا المؤامرة، عُقد سجال ونقاش عام حول كيفية معاقبة المتمردين. وتحت تأثير “فورة الغضب اللحظية”، أقنع الخطيب الغوغائي كليون (Cleon) الرأي العام بعدم الاكتفاء بإعدام مدبري التمرد، بل بإصدار قرار “يقضي بإعدام كافة السكان الذكور البالغين في ميتيليني، واستعباد نسائها وأطفالها” .
ومرة أخرى، لا يبدي ثوسيديديس رأيه الشخصي صراحة في هذا القرار ، غير أن كتاب “الحرب البيلوبونيسية” يوضح بجلاء نفوره العميق والمتأصل من ممارسة العنف العشوائي والمجاني، على الرغم من أنه كان جنرالاً قاد رجالاً في معارك دموية عدة، وتشير الدلائل إلى أنه لم يكن يمانع استخدام القوة العسكرية لتحقيق المصلحة الوطنية العليا للدولة. ويتجلى موقفه الضمني بوضوح في طريقة وصفه للتطورات اللاحقة؛ ففي صباح اليوم التالي، بدأ الأثينيون يتدبرون “القسوة البالغة والمروعة لقرار يقضي بالحكم على مدينة بأكملها بمصير لا يستحقه سوى المذنبين والآثمين” . وعُقد نقاش ثانٍ، انحازت فيه الأغلبية هذه المرة لخصم كليون، وأرسلوا على الفور سفينة أخرى لتلحق بالسفينة الأولى بهدف إلغاء قرار الإبادة الجماعية الشاملة . وببراعة تصويرية تضاهي المشاهد السينمائية، يصف ثوسيديديس حالة الاستنفار القصوى التي سادت طاقم السفينة الثانية، الذين كانوا يتناولون طعامهم أثناء التجديف، ولا ينامون إلا بالتناوب لضمان الوصول السريع.
وفي هذا السياق، يكشف اجتياح ميلوس وتدميرها كيف غلظت طباع المجتمع الأثيني وقست مشاعره بعد اثني عشر عامًا أخرى من الحرب المتواصلة. إذ لم ترتكب ميلوس أي ذنب يستوجب صب جام غضب أثينا المدمر عليها؛ ومع ذلك، وبسبب رغبة أهلها في النأي بأنفسهم والعيش في كنف حياد هادئ، واجهوا عقابًا قاسيًا لا يرحم، كان الأثينيون أنفسهم قد رأوه بالغ القسوة والفظاعة لفرضه على ميتيليني التي ارتكبت خيانة أعظم بكثير .
وقد يكون لأثينا بعض الخلافات الطفيفة زمن الحرب مع ميلوس، بيد أن ثوسيديديس -موظفاً مجدداً الأسلوب الضمني لتقنيته السردية- يتعمد حجب تلك التفاصيل، لكي لا يبقي مبررًا أو تفسيرًا آخر للسلوك الأثيني سوى التجرد من الإنسانية.
لقد حولت سنوات الصراع المستعر مدينة كانت ذات يوم منارة مشرقة تلتمسها الأبصار إلى آلة صماء للقتل وسفك الدماء. لذا، فإن السجال لا يركز على مصير ميلوس بقدر ما يسلط الضوء على الوضع الروحي والأخلاقي الداخلي لأثينا، وهي صورة قاتمة ومشوهة للغاية. ويتضح ذلك جليًا في الكيفية التي يمهد بها تدمير الجزيرة للأحداث التي تلتها مباشرة، والمتمثلة في المحاولة الأثينية سيئة الطالع لغزو صقلية. فبعد وصف إبادة ميلوس مباشرة، يستطرد ثوسيديديس قائلاً: “وفي الشتاء نفسه، عزم الأثينيون على الإبحار مجددًا إلى صقلية… لإخضاع الجزيرة وغزوها إن أمكن”. إن أثينا التي عاثت فسادًا في ميلوس هي ذاتها أثينا التي شرعت في حملتها الطائشة والمدمرة لغزو جزيرة صقلية النائية والمتسعة الأرجاء؛ وهي الحماقة الكبرى التي غدت السبب الرئيسي وراء انهيارها الكلي وسقوطها في نهاية المطاف. وكان ثوسيديديس يرى أن حملة صقلية تمثل الحدث الأبرز والأخطر في الحرب بأسرها، لذا خصص ما يقرب من ربع كتابه العظيم لتصوير فصولها وتفاصيلها بدقة متناهية، ويكمن أحد الأسباب التي جعلت تدمير ميلوس موضعًا مثاليًا للتباطؤ السردي الشديد (خلافًا لأحداث سكيوني المماثلة تمامًا) في كونه
يتيح لثوسيديديس ربط الصلف والغطرسة الأثينية في ميلوس -والتي تجلت بوضوح في السجال- بالصلف والغطرسة الأثينية في صقلية، حيث كان لا بد من دفع ثمن تلك الخطيئة باهظًا: “فقد دُحروا بالكامل وفي كل الجبهات؛ وكانت معاناتهم مريرة وعظيمة، وأبيدوا عن آخرهم، كما يقال، فتدمر أسطولهم وجيشهم وكل ما يملكون، ولم يرجع إلى دياره سوى قلة نادرة من جموع حاشدة. تلك كانت عواقب الأحداث في صقلية” .
ورغم أنه قد يبدو من المنطقي القول بأن “الميليين” كان ينبغي عليهم اختيار الاستسلام والنجاة بأنفسهم، إلا أنهم قدّموا في السجال الحجج الأقوى والأكثر بعدًا في النظر واستشراف المستقبل . فلو أقدم الأثينيون على تصفية واستئصال من وقعوا تحت رحمتهم، فإن ذلك قد يرسي سابقة خطيرة، حيث جادل الميليون قائلين: ” إنكم معنيون بهذا المبدأ بقدر اهتمام الآخرين به؛ ذلك أن سقوطكم وهزيمتكم غدًا ستكونان إيذانًا بحلول أشد أنواع الانتقام فظاعة وقسوة ضدكم، لتقدموا للدنيا بأسرها عبرة يتأملها الكل مليًا”، وفي هذه النقطة وسواها، أصاب الميليون كبد الحقيقة، وربما كانوا يعبرون عن فكرة جوهرية أراد ثوسيديديس إيصالها (وهي فكرة كان قرّاء عصره الأوائل سيدركون مغزاها على الفور). وفي هذا الصدد، طرح الباحث الكلاسيكي هانتر رولينغز (Hunter Rawlings) فرضية تبدو تخمينية بطبيعتها لكنها مصاغة بحجج مقنعة للغاية، تشير إلى أن السجال الميلي أُريد به أن يكون مرآة عاكسة لما كان سيُعرف لاحقًا بـ “السجال الأثيني” في نهاية العمل، حيث يجد الأثينيون أنفسهم آنذاك يرزحون تحت وطأة المصير المشؤوم نفسه الذي لاقاه الميليون من قبل.
وكما يذكر زينوفون (Xenophon)، وهو مؤرخ عاصر تلك الحقبة وواصل سردية ثوسيديديس من حيث توقفت، فإن إسبرطة عقدت بالفعل نقاشاً مع حلفائها في نهاية الحرب، وحث كثير منهم بقوة على إبادة أثينا ومحوها من الوجود بالكامل. وأما الأثينيون، فقد “توجسوا خيفة من عدم وجود مفر أو منجى يمنع وقوع الشرور والفظائع ذاتها عليهم، وهي الفظائع التي أنزلوها هم أنفسهم بسكان المدن والدول الأصغر حجمًا”، على حد تعبير زينوفون . ” إذ لم يقدموا على تلك الأفعال للثأر من مظالم لحقت بهم، وإنما لمجرد استعراض غطرستهم وصلفهم” .
وبناءً على ما سبق، فإن أحد الدروس البليغة المستقاة من السجال الميلي يتلخص في ضرورة أن يتأمل الأقوياء مليًا وبحرص شديد في كيفية استخدام قوتهم الباطشة والقاهرة. وعلى النقيض من ذلك، تظهر الشخصيات الأثينية في هذا الحوار بليدة التفكير وغافلة؛ ومما يثير الصدمة في هذا السياق التاريخي هو موقفهم المستهتر واللامبالي تجاه الذات الإلهية والغيب. فعندما أشار الميليون إلى أن الآلهة قد تغضب وتبدي عدم رضاها عن أعمال البربرية والهمجية السافرة، سخر الأثينيون ممن “يلجؤون إلى الغيب والنبؤات والعرّافين وغيرها من الترهات والوسائل التي تمني البشر بالآمال الزائفة والخادعة”، ولكن سرعان ما تبدل حال الأثينيين في صقلية وراحوا يضمرون تضرعًا مغايرًا، متوسلين: “إن كان أحد الآلهة قد استشاط غضبًا من حملتنا العسكرية هذه، فقد نلنا من العقاب ما فيه الكفاية والتمام” . لقد دارت الدائرة وانقلب السحر على الساحر بلا ريب .
أقدام من طين
لا ريب أن ثوسيديديس يوضح في كتابه “الحرب البيلوبونيسية” كيف يمارس الأقوياء سطوتهم وسلطانهم في كثير من الأحيان، بينما يتجرع الضعفاء مرارة الخضوع والقهر . بيد أن هذا الجنرال الأثيني لم يكن يعتقد مطلقًا أن السبيل الأمثل للدولة القوية لتعزيز مصالحها في السياسة الدولية هو الانغماس في العنف المفرط والقسوة بلا رادع أو حدود، أو “إطلاق يد مقاتليها” والتغاضي بالكلية عن الأعراف والقوانين وقواعد الاشتباك التي توصف بـ “الغباء” -وفق التعبير المعاصر- كما حث على ذلك وزير الدفاع الأمريكي (بيت هيغسيث Pete Hegseth).
ففي سجاله الشهير، يورد ثوسيديديس تحذيرات الميليين من أن هذا العنف المفرط وغير المنضبط سيرتد وبِالاً على أصحابه، مما سيكبد الأثينيين خسائر وأثمانًا سياسية فادحة على المدى الطويل، حتى وإن حققوا مكاسب تكتيكية متواضعة وقصيرة المدى في ساحة الوغى: ” كيف يتأتى لكم تجنب تحويل الدول المحايدة بأسرها إلى أعداء ألدّاء لكم حين يرقبون حالنا ويخلصون إلى نتيجة مفادها أنكم ستعتدون عليهم عاجلاً أم آجلاً؟ وما هذا الصنيع إلا تقوية لخصومكم الحاليين، وإرغام لآخرين على معاداتكم والوقوف ضدكم رغم أن ذلك لم يكن ليخطر لهم على بال؟”
ومن خلال البنية المتماسكة لكتابه، يبرهن ثوسيديديس على أنه على الرغم من اندحار الميليين وهزيمتهم في ميدان المعركة، إلا أنهم ألحقوا هزيمة نكراء بالأثينيين في ساحة النقاش والمحاججة، تاركين وراءهم إرثًا خالدًا ودروسًا بليغة حول الحدود والقيود التي تقف عندها القوة الغاشمة العاجزة عن تحقيق كل شيء .
“كان ثوسيديديس يضمر نفورًا عميقًا من العنف العشوائي والمجاني” وتُمثل فكرة أن العنف المفرط والخارج عن السيطرة يفضي في الواقع إلى نتائج عكسية موضوعاً محورياً متكرراً في ثنايا الكتاب. فعند مراجعة العقود السابقة لاندلاع الحرب، يوضح ثوسيديديس أن المجازر الدموية التي ارتكبها الجنرال الإسبرطي باوسانياس (Pausanias) كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء تعاظم قوة الحلف الأثيني وتماسكه، إذ إن “البغضاء والكره اللذين أثارهما في النفوس قد دفعا الحلفاء إلى الانفضاض من حوله… والاصطفاف بدلاً من ذلك إلى جانب الأثينيين”، وبعد عقود قليلة، انقلبت الموازين رأساً على عقب؛ فبعد أن كانت أثينا زعيمة لحلف متكافئ، تحولت إلى سلطة إمبراطورية مهيمنة ومستبدة . ويكتب ثوسيديديس أنه عند اندلاع الحرب البيلوبونيسية، “كانت قلوب وميول الناس تتجه بصورة أكبر نحو الإسبرطيين”، وذلك بسبب حالة “السحق والغضب العارم الذي عم الأنحاء ضد أثينا”. وهذه فكرة يلح عليها ثوسيديديس ويؤكدها مرارًا وتكرارًا، كما حدث عندما أشار إلى إرسال إسبرطة مبعوثين إلى الميدان لكبح جماح قائد بحري اشتهر بذبح الأسرى وارتكاب المجازر المروعة، محذرين إياه من أن مثل هذا السلوك “سيحول الأصدقاء إلى أعداء، بدلاً من كسب الخصوم وتحويلهم إلى أصدقاء” .
ويجدر بنا اليوم قراءة كتاب “الحرب البيلوبونيسية” وإعادة قراءته بعناية فائقة وتدبر عميق، وليس مجرد الاكتفاء باقتطاع نصوص مجتزأة من سياقها للتدليل على صعود القوة الأثينية . فهذا العمل المصوغ بذكاء وحجج دامغة لا يزال يزخر برؤى ثاقبة لا غنى عنها لمساعدة القراء على استيعاب تعقيدات العلاقات الدولية المعاصرة بصورة أفضل. ولعل الدرس الأكثر أهمية من بين تعاليمه العديدة هو أن الصلف والغطرسة المفرطة، اللذين يؤديان في النهاية إلى الهزيمة الذاتية، هما الخطر الأكبر والمحدق بالدول الكبرى والإمبراطوريات العظمى .
وبالنظر إلى العام الأول من ولايته الرئاسية الثانية، صرح ترامب قائلاً: “أعتقد أن الله فخور جدًا بالعمل الذي أنجزته” ، وخلال السرد الطويل للحرب البيلوبونيسية، لا يظهر مؤلفها تبتلاً أو توقيرًا لاهوتيًا واضحًا للآلهة والغيب؛ غير أنه يبدو جليًا أن ثوسيديديس، وبدلاً من إقرار مثل هذه المشاعر والسياسات المتهورة الناجمة عنها، كان سيقف متأملًا هذا التباهي والخيلاء اللامتناهي بالذات، ولن يملك إلا أن يهز رأسه أسفًا وحسرة .

