أسطورة اليهودية-المسيحية : حقيقة تاريخية أم تعويذة أيديولوجية؟

إنّ مفهوم "الحضارة "اليهودية-المسيحية -Judeo-Christian civilization" المتداول اليوم ليس إلا بناءً أيديولوجياً حديثاً يفتقر إلى أساس تاريخي حقيقي. فهذا التعبير، الذي يُستحضر غالباً كتعويذة هوياتية، يُستخدم لإعادة تعريف التاريخ الطويل لأوروبا، بينما يخفي في الواقع استراتيجية أيديولوجية تهدف إلى طمس الإرث اليوناني-اللاتيني للقارة، والتقليل من التناقضات اللاهوتية العميقة بين اليهودية والمسيحية، وصياغة جبهة دينية متخيَّلة

مشاهدة واحدة
13 دقائق من القراءة
تفكيك أسطورة اليهودية-المسيحية -أطراس
تفكيك أسطورة اليهودية-المسيحية -أطراس

( نشر هذا النص المترجم © بعنوان : The “Judeo-Christian” Myth لـ ” ألان دو بنوا – Alain de Benoist ” الذي يرى أن مفهوم “الحضارة اليهودية-المسيحية \Judeo-Christian civilization” المتداول اليوم ليس إلا بناءً أيديولوجياً حديثاً يفتقر إلى أساس تاريخي حقيقي. فهذا التعبير، الذي يُستحضر غالباً كتعويذة هوياتية، يُستخدم لإعادة تعريف التاريخ الطويل لأوروبا، بينما يخفي في الواقع استراتيجية أيديولوجية تهدف إلى طمس الإرث اليوناني-اللاتيني للقارة، والتقليل من التناقضات اللاهوتية العميقة بين اليهودية والمسيحية، وصياغة جبهة دينية متخيَّلة.)
( ألان دو بنوا: (مواليد 1943) فيلسوف ومنظّر سياسي فرنسي، يُعدّ المؤسس الفكري للـ”يمين الجديد الأوروبي” وأحد أبرز المحرّكين لمنظمة GRECE منذ تأسيسها عام 1968. يقوم مشروعه الفكري على استراتيجية ميتاسياسية مستوحاة من غرامشي، تستهدف الهيمنة الثقافية قبل الهيمن على السلطة السياسية. يرفض “دو بنوا” الليبرالية والعولمة والعالمية التنويرية بوصفها تسويةً قسريةً تُفقر التنوع الإنساني، ويُنظّر لـ”تعددية الهويات الإثنية” بديلاً عنها، أي حق كل شعب في الحفاظ على هويته وحضارته الخاصة. وتمتد أثاره الفكرية لتطال حركات الهوياتية المعاصرة في أوروبا، واليمين البديل في أمريكا، وصولاً إلى الأوراسية الدوغينية في روسيا، مما يجعله مرجعاً نظرياً يتجاوز حدوده الجغرافية والأيديولوجية. )

 الجذور المتخيلة: هل الحضارة الأوروبية ” يهودية- مسيحية ” ؟

حتى وقت قريب، كان من المسلَّم به في المؤسسات التعليمية أن الحضارة الأوروبية تضرب جذورها في العصور القديمة اليونانية واللاتينية. صحيح أن هذا التصور همَّش إلى حدٍّ ما الثقافات السلتية والجرمانية والبلطية-السلافية، لكنه لم يكن خالياً من الدلالة التاريخية.
غير أن هذا الخطاب تغيّر تدريجياً. ففي مرحلة أولى جرى الحديث عن ” الجذور المسيحية ” لأوروبا، وهو ما سمح بتجاهل ألفين أو ثلاثة آلاف عام من الثقافة الوثنية السابقة. ثم، منذ مطلع الألفية الجديدة، بدأت تنتشر فكرة أكثر غرابة، مفادها أن الحضارة الأوروبية – أو الغربية – هي في حقيقتها “حضارة يهودية-مسيحية”.
اليوم أصبح سياسيون من مختلف الاتجاهات أول من يتبنى هذا التعبير: ” أوروبا اليهودية-المسيحية “، و ” التقاليد اليهودية-المسيحية “، أو ” الحضارة التي وُلدت من الجذور اليهودية-المسيحية “.
فنجد “دونالد ترامب” و”إريك سيوتي” و”نيكولا ساركوزي” و”إيمانويل ماكرون” يتحدثون عن ” الجذور اليهودية-المسيحية لأوروبا ” و” الأسس اليهودية-المسيحية لثقافتنا “. بل إن بعضهم يدعو إلى ” جبهة حضارية – civilizational front ” وإلى ” إحياء \revival يهودي-مسيحي”. وهكذا نشهد احلالاً عظيماً: هو، إحلال ” اليهودية-المسيحية ” محل الإرث الهيليني واللاتيني، ومن دون أن يثير هذا التحول الكثير من التساؤل.
إن خلق ثنائية اليهودية-المسيحية كحقيقة ثقافية غربيّة خالصة يعني واقعيّاً تجاهل الفروق اللاهوتية العميقة بين الديانتين، كما يفترض وجود تجانس ثقافي من الصعب العثور عليه في الواقع. والحقيقة أننا هنا أمام بناءٍ متخيَّل، أو ما يشبه تعويذة سحرية – magical incantation.

صعود الهوياتية المسيحية

عند التدقيق في هذا الابتكار الدلالي والأيديولوجي لفهم أسباب انتشاره اليوم، يتبيّن أن الفكرة نشأت أساساً في أوساط ترى أن مواجهة الهجرة تتطلب خوض حرب دينية، أي تعبئة ديانتين توحيديتين ضد ثالثة، وإقامة جبهة حضارية في مواجهة الإسلام الذي يعتنقه أكثر من مليار ونصف المليار إنسان.
تبدو هذه الحجة وكأنها صورة معكوسة للخطاب الجهادي الذي يصف الإسلام بأنه في حرب ضد ” اليهود والصليبيين المسيحيين “، غير أن هذا الخطاب ذو طابع سياسي-ثقافي أكثر منه دينياً بالمعنى الدقيق، إذ في هذا السياق يُستدعى المرجع ” المسيحي – Christian ” أساساً بوصفه علامةً وحداً لهوية – identity marker.
ومن المفارقات أن صعود ” الهوياتية – identitarianism المسيحية ” يتزامن مع تراجع الإيمان الديني نفسه، – وهو تراجع يسهم كعامل من عوامل تصاعد الراديكالية – وبالطبع يمكن لأي شخص أن يتبنى هذا الموقف، لكن لا يمكن تبريره بالحديث عن ” حضارة يهودية-مسيحية ” لم توجد في التاريخ قط .
فمصطلح “اليهودي-المسيحي – Judeo-Christian” ليس عديم المعنى بشكل كامل، لكنه بالدلالة الدقيقة، لا يكون مشروع الاستخدام إلا في حالتين محددتين.
أولاً: للإشارة إلى “المسيحيين الأوائل – early Christians” الجماعة الأولى الذين التفّوا حول ” يعقوب – James” أخو ” يسوع”في القدس. وقد استُخدم مصطلح “المسيحية اليهودية” لأول مرة بهذا المعنى على يد اللاهوتي البروتستانتي ” فرديناند كريستيان باور – Ferdinand Christian Baur “، مؤسس مدرسة تيبنغن – Tübingen School، في مقال نُشر عام 1831، وما زال هذا الاستخدام مقبولاً لدى الباحثين حتى اليوم.
ويعرّف مؤرخ الأديان “سيمون كلود ميموني – Simon Claude Mimouni ” المسيحية اليهودية بأنها:
” تسمية حديثة تشير إلى اليهود – أو اليهوذيين – Judeans ( يهوذيون؛ أي أبناء يهوذا – أو السكان الأصليين لإقليم يهوذا- Judea ) بالمعنى الجغرافي-السياسي التاريخي – ومعهم بعض المتعاطفين الوثنيين – pagan من العالم اليوناني-الروماني، الذين اعترفوا بمسيانية – messiahship يسوع، سواء اعترفوا بألوهيته أم لم يعترفوا بها، لكنهم استمروا في الالتزام بأحكام التوراة كلياً أو جزئياً “.
غير أنه هنا تحديداً تجب إزالة الالتباسات، فاليهود-المسيحيون، الأقدر من سواهم على معرفة نوايا يسوع (يشوع) وعقيدته بوصفهم أقرب المتابعين لمسيرته مباشرةً، هم يهودٌ التحقوا بحركة يسوع دون أن ينفصلوا عن اليهودية بأي وجه من الوجوه. فهم ليسوا في حقيقتهم سوى مسيحانيين -Messianists ، يرون في يسوع، المسيحَ الموعود الذي بشّرت به الأسفار، ويسعون إلى إقناع سائر اليهود بذلك بحجج يمكن العثور عليها في رسالة يعقوب، ورسالة العبرانيين، وإنجيل متّى. (وبولس الطرسوسي نفسه لم يكن يبشّر إلا في الكُنُس اليهوديّة.)
إذن فهم ليسوا بأي حال منشقّين عن اليهودية: بل إن نيتهم في تأسيس دين جديد معدومةٌ من الأساس، فما دام يسوع قد أخبرهم بأنه لم يُبعث إلا إلى ” خراف بني إسرائيل الضالة ” (متى 10:26؛ 15:24). ويمكن أن يُضاف إلى ذلك أن المسيحيين اليهوديين، من الناحية التاريخية، يسبقون جميع أشكال “المسيحية الوثنية” (Pagano-Christianity)، مما يعني أنه في أعقاب موت يسوع مباشرةً لم يكن ثمة “مسيحيون” سوى ” المسيحيين اليهود”، تماماً كما وُجدت جماعات اليهود من : الأسينيون – Essenes ، والفريسيون – Pharisees، والصدوقيون – Sadducees ، والمعمدانيون – Baptists، والهلنستيون – Hellenists، وسواهم. ولهذا السبب بالذات يغدو من الأدقّ منهجيًا اعتماد مصطلح “المسيحيون اليهود ” أو ” المسيحيون اليهوذيون” (Jewish/Judean Christians). كبديل عن توظيف مصطلح اليهود-المسيحيون – Judeo-Christians، أو التعبير الأكثر إبهامًا لمسيحيون الأوائل-early Christians .

اختفاء المسيحيين اليهود

في القرون الأولى كان اسم “المسيحيين” يعني ببساطة “المسيانيين”: فالـ”كريستيانوي” (christianoi) لم يكونوا سوى “أنصار الممسوح – messianists”، – يهوداً رأوا في يسوع أولًا نبيًا، ثم مسيحًا. وأُطلق عليهم هذا الاسم – على الأرجح – لأول مرة في أنطاكية، (وفق ما يذكر سفر أعمال الرسل 11:26)، أضف، أنّه لا يمثّل تسمية ذاتية، وتشير أعمال الرسل إلى أن هذه التسمية لم تكن سوى ما أطلقه عليهم الآخرون، في سياق لم يكن بالضرورة ينطوي على مدح أو إطراء.
أما هم أنفسهم، فقد آثروا أن يُعرِّفوا عن أنفسهم بـ” الناصريين -Nazoreans”، مشتقًّا من كلمة “نوتسريم- notsrim “، المأخوذة بدورها من “نيتسر -netzer ” بمعنى “السليل” أو “الفرع”، إذ تتمحور الفكرة الجوهرية حول انتساب يسوع، من جهة أبيه، إلى عقب داود وسلالته.
وخلال القرنين الأولين وُجدت ثلاث مجموعات رئيسية من المسيحيين اليهود: جماعة حافظت بالكامل على الشريعة اليهودية بما في ذلك الختان، وأخرى حافظت على الشريعة لكنها لم تعد تشترط الختان،و وثالثة التزمت – كجماعة- بالمبادئ العامة للتوراة والأعياد الكبرى دون الالتزام بالختان أو قوانين الطعام
ويعتقد اللاهوتي الكاثوليكي ” ريموند براون – Raymond E. Brown” أن يعقوب وبطرس كانا ينتميان إلى الفئة الثانية، مع ميل يعقوب إلى الأولى وبطرس إلى الثالثة.
وبعد تدمير الهيكل في القدس سنة 70م بدأ نفوذ المسيحيين اليهود يتراجع. فقد أدى هذا الحدث إلى إعادة تنظيم اليهودية تحت سلطة الحاخامات ( تحت إشراف الحاخام يوحانان بن زكّاي)، وتالياً ساهم (تدمير الهيكل) في الانفصال التدريجي بين اليهودية وحركة أتباع يسوع.
ومع تشتت جماعة – community القدس انتقل مركز المسيحية الناشئة إلى أنطاكية والإسكندرية وروما، حيث أصبح التيار البُولِسي – Pauline current أكثر نفوذاً. أما التيار المتهوّد – Judaizing current ، فبقي داخل جماعات مثل الأبيونيين – Ebionites والإلكسائيين – Elkasaites، الذين اعتُبروا لاحقاً هراطقة سواء لدى اليهود أو لدى الكنيسة الرومانية.
وقد اندثر ” الناصريون ” في القرن الخامس، و”الإبيونيون” نحو القرن السابع أو الثامن، و “الإلكاسائيون” نحو القرن العاشر – بيد أن هذا الاندثار لم يقع إلا بعد أن مارسو- على الأرجح – تأثيرًا حاسمًا في نشأة الإسلام (الذي يُقرّ بمفهوم صارم لوحدانية الله، ويُجلّ يسوع بوصفه نبيًا دون أن يعترف بألوهيته، وهو ما يتطابق مع موقف الإبيونيين). ومن هذا تنبثق المفارِقة: فلو وضعنا أنفسنا في منظور التحالف بين اليهود والمسيحيين في مواجهة الإسلام، لتبيّن أن الدين الإسلامي هو الذي طُبع، أكثر من غيره، ببصمات المسيحيين اليهود (Judeo-Christians).
وعلى أية حال، فمن الواضح تماماً أن هذه الوقائع برمتها قد جرت رحاها على هامش التاريخ الأوروبي كليّةً. فبالنسبة إلى ” إرنست رينان -Ernest Renan “، الذي تبنّى أطروحات “باور-Baur”، لا يحمل مصطلح “اليهودية-المسيحية” سوى دلالة تاريخية محضة، ولا ينطوي بأي حال على طابع حضاري. إذ لا يحتفي رينان بـ”وحدة” تجمع اليهود والمسيحيين، بل يشدد، على النقيض من ذلك، على تضادهم الثقافي والروحي، وهو تضاد رأى فيه انعكاساً للفارق بين ما اصطُلح على تسميته في عصره “الروح الساميّة -Semitic spirit ” و”الروح الآريّة – Aryan spirit”. وشأنه شأن غيره من مؤرخي الأديان، فإن مفهوم “الحضارة اليهودية-المسيحية” لا يحيل في أعماله إلى أي مضمون أو مقابل حقيقي على الإطلاق.

شعب ” قتلة الإله”

وُجدت مجتمعات يهودية في أوروبا منذ القرن الأول للميلاد. وطوال حقبة ” المنفى – galout ” هذه ، اتسمت العلاقات بين اليهود والمسيحيين بعدائية حادة، وأفضت إلى موجات متكررة من الاضطهاد الموجَّه ضد اليهود، والتي هيّأت الأرض – على الرغم من تمايز طبيعتها – لاستساغة معاداة السامية الحديثة وقبولها. وعلى حد قول “صوفي بيسيس -Sophie Bessis”: ” كانت الآخرية الأولى التي شيّدت أوروبا المسيحية هويتها في مواجهتها هي الآخرية اليهودية.”
وقد ناصبت الكنيسة، على مدار ما يقارب ألفي عام، العداءَ لليهود والمسلمين في آنٍ واحد، إذ أنزلت الطرفين منزلة الآخريّة الثقافيّة ذاتها، سواءٌ أكانت تلك الآخرية واقعاً مُلاحَظاً أم بناءً سياسياً مقصوداً. غير أن ثمة خصوصية لافتة في هذا الموقف: فقد عابت الكنيسة على اليهود من جهة عدمَ اعترافهم بألوهية يسوع، واتهمتهم ب ” قتل الإله ” (deicide) – هكذا وردت العبارة – فضلاً عن أنها جعلت من محو اليهودية غاية تسعى إليها، لا عبر إلزام أتباعها بالتحول عنها فحسب، بل بتقديم نفسها بوصفها إسرائيل الحقيقية\المضادة (verus Israel).
وهذا هو الأساس الذي أُقيم عليه ما بات يُعرف بـ ” لاهوت الاستبدال -theology of substitution “، والذي يمكن تسميته كذلك بـ “الإحلالية -replacism ” أو ” الاستبدالية -supersessionism “، لما ينطوي عليه من نزعة إلى تقويض اليهودية والحلول محلها؛ وهو العقيدة القائلة بأن المسيحية قد حلّت محل اليهودية في التدبير الإلهي، مُفرِغةً إياها من مضمونها ومُبطِلةً شرائعها. وكانت من أبرز تداعيات ذلك أن اليهود والمسيحيين لم ينسبوا لأنفسهم، حتى القرن الثامن عشر، أي تاريخ مشترك يتجاوز الأصول المشتركة بينهما.

وعلى مر القرون، سلكت المسيحية واليهودية، ،مسارات متباينة. فاليهودية هي، قبل كل شيء، ديانة شعب وممارسة قويمة ، “أرثوبراكسيا-orthopraxy “- تحتكم إلى الشريعة (إذ يمكن للمرء أن يكون يهودياً بالكامل دون أن يكون مؤمناً بالمعنى العقدي)؛ أما المسيحية فهي ” أرثوذكسية-orthodoxy ” عقائدية، وديانةُ إيمان وخلاص، ونعمة وصفح. ولطالما تشكلت اليهودية عبر “جدلية – dialectic” بين قطب ” خصوصي-particularist ” وقطب ” كوني -universalist”؛ في حين تؤكد المسيحية، فوق كل شيء، على الوحدة الروحية والأخلاقية للبشرية. فبينما تدعو اليهودية إلى ” الموسوية -Mosaism ” للجماعات اليهودية، وتحث على احترام ” الشرائع النوحية -Noahide laws ” لبقية البشرية.

أما الاستخدام المشروع الثاني لتعبير “اليهودية-المسيحية”، فيجعل منه نعتاً قادراً على توصيف موضوعات مشتركة بين اليهود والمسيحيين على وجه التخصيص، بوصفها تُكوِّن نسقاً ثقافياً يمكن المقابلة بينه وبين ” الهيلينية -Hellenism ” أو ” الوثنية -paganism ” مثلاً. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: التصوّر ” الخطي -linear ” و” الغائي -teleological ” للزمانية التاريخية، في مقابل التصوّر ” الدوري – cyclical ” الذي هيمن على تفكير القدماء.
بيد أن ” المسيانية اليهودية -Jewish messianism ” بما أثبته ” غيرشوم شوليم Gershom Scholem ” بصورة موسّعة – تتمايز عن الألفية المسيحية -Christian ،millenarianism في كون تحقّقها لا يجري في الدار الآخرة -hereafter، بل يتكشّف على المسرح الملموس للتاريخ.
أساس مشترك؟
شهد القرن التاسع عشر بداية استخدام مصطلح “اليهودية-المسيحية -Judeo-Christianity ” للإشارة، بطريقة تقريبية في الغالب مع افتقارها إلى الدقة القطعيّة، إلى منظومة من المعتقدات، وقبل كل شيء، المبادئ الأخلاقية المستمدة من الكتاب المقدس، والتي يُفترض أن المسيحيين واليهود يتقاسمونها على حد سواء. وقد رأت الجمهورية الثالثة – Third Republic الناشئة ( إشارة إلى: الجمهورية الفرنسية الثالثة هو نظام الحكم الذي تبنته فرنسا منذ عام 1870 عندما انهارت الإمبراطورية الفرنسية الثانية خلال الحرب الفرنسية البروسية، حتى العاشر من يوليو عام 1940) في هذا المصطلح أساساً محتملاً للأخلاق ” العلمانية – secular ” والليبرالية التي كانت تحاول حينها تأطيرها نظرياً من أجل معالجة الأزمة السائدة.
ثم أصبح هذا “الأساس المشترك” موضوعاً لتأملات متباينة، كان الحضور المسيحي فيها يفوق الحضور اليهودي بكثير، في حين لم يتردد “مورا Maurras “، في عام 1899، في الموازنة بين الحكمة القديمة – ancient wisdom و”الهمجية اليهودية-المسيحية -Judeo-Christian barbarism” في صحيفة “أكسيون فرانسيز” (L’Action française).
وتتسم مسألة “الأخلاق اليهودية-المسيحية”، التي ظهرت نحو عام 1880، بغموض بالغ. ففي كتاب شهير أُعيد طبعه مرات عديدة بعنوان ” الأخلاق اليهودية والأخلاق المسيحية” (Morale juive et morale chrétienne، 1867)، يوضح الحاخام والفيلسوف ” إيلي بن أموزغ -Elie Benamozegh 1822-1900″ – الذي مارس تأثيراً حاسماً على المحلل النفسي جاك لاكان – من جانبه أن المبادئ والقيم التي يرتكز عليها الدِينان ليست متطابقة. وتتمثل أطروحته في أن اليهودية، شأنها شأن الإسلام، هي نظام مزدوج -dual system: فهي في آن واحد قانون مدني وأخلاق، سياسة ودين؛ بينما ألغت المسيحية هذا القانون لتقتصر على الأخلاق وحدها.
وفي القرن العشرين، وتحديداً منذ الحرب العالمية الثانية فصاعداً، بدأت كنيسة روما في تغيير موقفها تجاه اليهود، ملتمسةً الصفح عن معاداتها التاريخية لليهودية – anti-Judaism (إلا أن الدين اليهودي ليس دين غفران). فهي تقر بالأصول اليهودية لحركة يسوع – Jesus movement، وتضع نفسها ضمن هذا الامتداد\المسار التاريخي lineage، بل وتقترح إعادة تسمية الكتاب المقدس اليهودي بـ “العهد الأول -First Testament “. وفي مارس/آذار من عام 1937، كان البابا بيوس [كذا!] ( هكذا في النص الأصلي)التاسع قد صرّح بالفعل قائلاً: “بصفتنا كاثوليك، نحن ساميون روحياً”.
أما لاهوت الاستبدال -theology of substitution – الذي نُسب سابقاً إلى بولس بناءً على تأويل لـ ” الرسالة إلى أهل غلاطية ” (3: 15-16 و6: 15-16)، ثم طوّره ترتليان وأوغسطين – فقد تم التخلي عنه رسمياً في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1965، مع اعتماد المجمع الفاتيكاني الثاني للإعلان الشهير “نُسترا أيتاتي – Nostra Ætate”.
لقد كانت وثيقة “نوسترا إيتاتي” (Nostra Ætate)، في واقع الأمر، تهدف إلى إجراء “حوار استرضائي” مع اليهودية والإسلام من أجل تعزيز ” التفاهم المتبادل\المشترك”. وعلى أساس الحوار، والتفاهم، والاحترام المتبادل، والنوايا الحسنة – وليس على أساس تاريخ مشترك – وُلدت مبادرات مختلفة، اتسم معظمها بطابع التوبة، مما أتاح لليهود والمسيحيين الالتقاء من أجل التفاهم، مثل جمعية الصداقة اليهودية المسيحية في فرنسا -Amitié judéo-chrétienne de France، التي تأسست عام 1948، وكان أول من ترأسها “هنري إيريني مارو -Henri-Irénée Marrou” و “جاك مادول -Jacques Madaule” ولم يُفضِ هذا “الحوار اليهودي المسيحي” – بشكل ملموس – إلى أي نتيجة قط. فاليهودية الأرثوذكسية، التي تمتلك بعض المبررات التاريخية التي تدعوها للتوجس، لم ترغب يوماً في المشاركة فيه.
وبصورة عامة، فإن مصطلح “اليهودية-المسيحية” ذاته لا يكاد يُستخدم عملياً في الفكر اليهودي. فهو بالنسبة للعديد من اليهود لا يستحضر احتراماً لليهودية بقدر ما يعكس محاولة طمس-erasure مُصممة لاستيعاب اليهودية داخل المسيحية. لا سيما وأن الكنيسة الكاثوليكية لا يبدو أنها قد تجردت بالكامل من ادعائها – وهو ادعاء لا تطيقه اليهودية الأرثوذكسية – بأنها تجسد “إسرائيل الحقيقية” .
فبالنسبة لـ “يوحنا بولس الثاني ” – على سبيل المثال – فإن “الكنيسة، هي شعب الله المُؤسَّس على العهد الجديد، وهي إسرائيل الجديدة، وهي تقدم نفسها بطابع العالمية: إذ تتمتع كل أمة داخلها بحق متساوٍ في المواطنة”. ومن جانبه، يوضح “ريمي براغ -Rémi Brague” أنه بالنسبة للمسيحيين، فإن عهد إبراهيم – the covenant of Abraham قد “ترقّى إلى التألق المنير في شخص يسوع المسيح”. وتعلق “صوفي بيسيس – Sophie Bessis” قائلةً: ” إن انبثاق الذات اليهودية-المسيحية كذات جماعية يُغيّب اليهودي”.
ومن بين المفكرين اليهود الذين نظروا في وقت مبكر جداً إلى مفهوم “الأخلاق اليهودية-المسيحية” بوصفه ضرباً من العبث، يبرز الفيلسوف الإسرائيلي ” يشعياهو ليبوفيتش -Yeshayahu Leibowitz”، الذي كان يروق له أن يًعقّب، أنّه في مواجهة مسيحية تدّعي اليوم أنها وريثة اليهودية، فلا يمكن للمرء أن يرث شخصاً لم يمت.

التوظيف الميتاسياسي للمصطلح

روما، والقدس، وواشنطن

في هذا العرض الموجز، لا ننسى بالطبع العودة إلى الكتاب المقدس التي نادى بها العَالم البروتستانتي، ولا إسهام العديد من المفكرين اليهود البارزين في بزوغ الحداثة، ولا تأسيس دولة أمريكية عبر الأطلسي لطالما تصورت نفسها بوصفها “أرض الميعاد الجديدة – New Promised Land”. ولكن، ومرة أخرى، لا شيء من هذا يتيح للمرء أن يجعل من الحضارة الغربية “حضارة يهودية-مسيحية”.
وختاماً، يجدر القول إنه لا يمكن للمرء أيضاً أن يعتبر حركات دينية مثل الإنجيلية الصهيونية – Zionist evangelicalism (أو الصهيونية المسيحية) بمثابة حركات “يهودية-مسيحية”، وهي التي ازدهرت في الولايات المتحدة لأكثر من قرن من الزمان من خلال حركات على غرار “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل- Christians United for Israel”، و”إسرائيل أبداً -Always Israel”، و”رابطة القدس – Jerusalem Connection”، وما إلى ذلك (والتي تضم ما لا يقل عن أحد عشر مليون عضو).
وإذ يبدي هؤلاء الصهاينة الإنجيليون ذوو الطابع الباروكي -baroque-style لامبالاةً تامة بمصير المسيحيين العرب والفلسطينيين (“مسيحيي الشرق”) – الذين من الواضح تماماً أنهم لا يشعرون بانتماء خاص لليهودية-المسيحية – فإنهم يقدمون للدولة اليهودية دعماً غير مشروط يزداد التباساً بالنظر إلى أنه، وفقاً للقراءة الحرفية والأخروية – eschatological التي يتبنونها للكتاب المقدس، فإن إبادة جميع أعداء إسرائيل ستتزامن مع المجيء الثاني للمسيح ونهاية الزمان، حين سيُباد اليهود الذين لم يعتنقوا المسيحية!
ولا تخطئ “صوفي بيسيس” التي لا يستحق كتابها الثناء فحسب، في مجادلتها بأن هذا الخطاب، الذي ترى فيه “زيفاً-sham” يُفضي من جملة نتائجه- إن لم يكن في غاياته – إلى تناسي العداء الممتد لألفي عام بين اليهود والمسيحيين، وإخراج اليهودية من وضعية الآخرية – otherness التي لازمتها لأكثر من خمسة عشر قرناً، بغية تحويلها إلى ذات -subject تنتمي حصراً للتاريخ الأوروبي، ثم إلى موقع متقدم – outpost للحضارة الغربية – مع تغييب كل من التراث اليوناني-اللاتيني والفرادة اليهودية، التي أضحت من الآن فصاعداً “مُغَرَّبة -Westernized ” ويبقى النقاش حول “اليهودية-المسيحية” مفتوحاً.

المصدرArktos Journal
شارك الموضوع